النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿. . . وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه أراد المسجد نفسه، ومعنى قوله :﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي قبلة لصلاتهم ومنسكاً لحجهم.
﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ وهو المقيم، ﴿وَالْبَادِ﴾ وهو الطارئ إليه، وهذا قول ابن عباس.
والقول الثاني : أن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، وعلى هذا في قوله :
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وجهان :
أحدهما : أنهم سواء في دوره ومنازله، وليس العاكف المقيم أولى بها من البادي المسافر، وهذا قول مجاهد ومَنْ منع بيع دور مكة كأبي حنيفة(١).
والثاني : أنهما سواء في أن من دخله كان آمناً، وأنه لا يقتل بها صيداً ولا يعضد بها شجراً.
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والإِلحاد : الميل عن الحق. والباء في قوله :﴿بِإِلْحَادٍ﴾ زائدة كزيادتها في قوله تعالى :
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ(٢)
[المؤمنون: ٢٠]، ومثلها في قول الشاعر :
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج(٣)نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجِ
أي نرجو الفرج، فيكون تقدير الكلام : ومن يرد فيه إلحاداً(٤) بظلم.
وفي الإِلحاد بالظلم أربعة تأويلات :
أحدها : أنه الشرك بالله بأن يعبد فيه غير الله، وهذا قول مجاهد وقتادة.
والثاني : أنه استحلال الحرام فيه، وهذا قول ابن مسعود.
والثالث : استحلال الحرام متعمداً، وهذا قول ابن عباس.
والرابع : أنه احتكار الطعام بمكة، وهذا قول حسان(٥) بن ثابت.
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله ﷺ عن عمرته عام الحديبية.
١ لكن الشافعي أجاز بيعها وتمسك بقوله تعالى: "الذين أخرجوا من ديارهم" فأضافها إليهم وقال عليه السلام يوم الفتح "من أغلق بابه فهو آمن" والعمل على قول الشافعي..
٢ الآية ٢٠ سورة المؤمنون..
٣ الفلج: موضع لبني جعدة بن قيس بنجد. انظر معجم ما استعجم للبكري..
٤ في الأصل بالحاد والكلام لا يستقيم..
٥ هكذا بالأصل، وفي تفسير القرطبي أن هذا قول عمر بن الخطاب وأنه حديث. فقد روى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ قال "احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى