تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قَوْلهُ تَعَالَى :﴿وإذ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ آية٢٦
مِنْ طَرِيق معمر عَنْ قَتَادَة قَالَ : وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأَرْض، وكَانَتِ الملائكة تهابه فنقص إِلَى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذَلِكَ إِلَى الله فقال الله : " يا آدم، إني قد أهبط لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي فاخرج إليه " فخرج إليه آدم ومدّ لَهُ في خطوة، فكان بين كُلّ خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد عَلَى ذَلِكَ.
وأتى آدم فطاف به ومن بعده مِنَ الأَنْبِيَاء.
قَالَ معمر : وأخبرني أَبَانٌ أنَّ البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة. قَالَ معمر : وبلغني أنَّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً، حتى إِذَا أغرق الله قوم نوح فقدوا بقي أساسه، فبوأه الله لإبراهيم فبناه بعد ذَلِكَ، فذلك قوله :﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ قَالَ معمر : قَالَ ابن جريج : قَالَ ناس : أَرْسَلَ الله سبحانه سحابة فيها رأس، فقال الرأس : يا إبراهيم، إِنَّ ربك يأمرك أن تأخذ قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويخط قدرها، قَالَ الرأس : قد فعلت ؟ قَالَ : نعم، ثُمَّ ارتفعت فأبرز عَنِ أساس ثَابِت في الأَرْض. قَالَ ابن جريج : قَالَ مُجَاهِدٍ : أقبل الملك والصرد والسكينة مع إبراهيم مِنَ الشام، فقالت السكينة : يا إبراهيم، ريض عَلَى البيت، قَالَ : فلذلك لا يطوف البيت أعرابي ولا ملك مِنْ هذه الملوك، إلا رزيت عليه السكينة والوقار.
عَنْ كَعْبٍ الأحبار قَالَ : كَانَ البيت غثاة وهي الماء قبل أن يخلق الله الأَرْض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأَرْض.
عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : إِنَّ الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هُوَ وإسماعيل، فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هُوَ وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما مَا حول الكعبة مِنَ البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس. فذلك حين يَقُولُ الله :﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ فلما بنيا القواعد فبلغ مكان الركن، قَالَ إبراهيم لإسماعيل : اطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا، قَالَ : يا أبت، إني كسلان لغب قَالَ : عليّ ذَلِكَ. فانطلق يطلب له حجراً فأتاه بحجر فلم يرضه فقال : ائتني بحجر أحسن من هذا فانطلق يطلب حجرا فجاءه جبريل بالحجر الأسود مِنَ الْجَنَّة، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الغثامة وكان آدم هبط به مِنَ الْجَنَّة فاسود مِنْ خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجد عنه الركن فقال : يا أبت منْ جاءك بهذا ؟ قَالَ : جاءني به منْ هُوَ أنشط منك، فبينما هما يدعوان بالكلمات التي ابْتَلَى بها إبراهيم ربه، فلما فرغا مِنَ البنيان أمره الله أن ينادي فقال :﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾.
عَنْ حوشب بن عقيل قَالَ : سألت مُحَمَّد بن عباد بن جعفر : متى كَانَ البيت ؟ قَالَ : خلقت الأشهر لَهُ. قلت : كم كَانَ طول بناء إبراهيم ؟ قَالَ : ثمانية عشر ذراعاً، قلت : كم هُوَ اليوم ؟ قَالَ : ستة وعشرون ذراعاً، قلت : هل بقى مِنْ حجارة بناء إبراهيم شيء ؟ قَالَ : حشي به البيت إلا حجرين مما يليان الحجر.
قَوْلهُ تَعَالَى :﴿لِلطَّائِفِينَ﴾
عَنْ عطاء فِي قَوْلِهِ :﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ قَالَ : الذين يطوفون به ﴿والقائمين﴾ قَالَ : المصلين عنده.
عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ : لما فرغ إبراهيم مِنْ بناء البيت قَالَ : رب قد فرغت، فقال :﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ قَالَ : رب وما يبلغ صوتي ؟ قَالَ : أذن وعليّ البلاغ، قَالَ : رب كيف أقول ؟ قَالَ : يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه منْ بين السَّمَاء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون مِنَ أقصى الأَرْض يلبون ؟.
عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ : لما أمر الله إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أذنيه، ثُمَّ نادى : إِنَّ الله كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم، فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجل وأرحام النساء وأول مِنَ أجابه أَهْل اليمن، فليس حاج يحج مِنْ يومئذ إِلَى أن تقوم الساعة إلا مِنْ كَانَ أجاب إبراهيم يومئذ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى