تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يوم ترونها ) يعني : الساعة.
وقوله :( تذهل ) أي : تغفل وتشتغل، وفيه تسهو وتنسى، قال الشاعر في الذهول.
أطالت بك الأيام حتى نسيتهاكأنك عن يوم القيامة ذاهل
وقال عبد الله بن رواحة بين يدي النبي ﷺ :
ضربا يزيل الهام عن مقيلهويذهل الخليل عن خليله
وقوله :( كل مرضعة عما أرضعت ) يعني : كل أم عن ولدها.
وقوله :( وتضع كل ذات حمل حملها ). فإن قال قائل : كيف تضع المرأة حملها يوم القيامة ؟ الجواب : قلنا : أما على قولنا إن الزلزلة قبل قيام الساعة، فمعنى وضع الحمل على ظاهره، وإن قلنا إن الزلزلة عند قيام الساعة، فالجواب من وجهين : أحدهما : أن المراد من الآية النساء اللواتي متن وهن حبالى، والوجه الثاني، وهو الأصح : أن هذا على وجه تعظيم الأمر وذكر شدة الهول، لا على حقيقة وضع الحمل، والعرب تقول : أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، وهذا على طريق عظم الأمر وشدته، وقد قال الله تعالى :( يوما يجعل الوالدان شيبا ) (١) والمراد ما بينا.
وقوله :( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) وقرىء :" سكرى " بغير الألف، والمعنى واحد، والذي عليه أهل التفسير : أن المراد من الآية سكرى من الفزع والخوف، وليسوا سكارى من الشراب وقالوا أيضا : في صورة السكارى، وليسوا بسكارى، والقول الأول أحسن ؛ لأن الله تعالى قال :( ولكن عذاب الله شديد ).
وفي الآية خبر صحيح أورده البخاري وغيره، وهو ما رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قرأها بين الآيتين ثم قال :«إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لآدم : قم يا آدم، فابعث من ذريتك بعث النار فيقول آدم : لبيك وسعديك، والخير في يديك، وما بعث النار ؟ فيقول الله تعالى : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، [ وواحد ] (٢) إلى الجنة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : وأينا ذلك الواحد ؟ فقال النبي ﷺ :«سددوا وقاربوا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كانتا مع قوم إلا كثرتاه : يأجوج ومأجوج وكفرة الجن والإنس من قبلكم »، وفي رواية قال :«تسعمائة وتسعة وتسعين من يأجوج ومأجوج، وواحد منكم، ثم قال :«إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال : إني أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال : إني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ما أنتم في ذلك اليوم بين الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض » وفي رواية :«ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، وكالرقمة في ذراع الدابة ». قال الشيخ الإمام : أخبرنا بهذا الحديث المكي بن عبد الرزاق، قال : أخبرنا جدي أبو الهيثم، قال الفربري، قال البخاري : قال عمر بن حفص بن غياث قال : أخبرنا أبي، عن الأعمش. . . الخبر(٣).
١ - المزمل: ١٧..
٢ - في "الأصل": وواحدة..
٣ - متفق عليه. رواه البخاري (٦/ رقم ٣٣٤٨ وأطرافه في: ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣) ومسلم (٣/١٢١-١٢٣ رقم ٢٢٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى