تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي : ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيما في نفسه، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي : فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب جزيل وأجر كبير، وكذلك على ترك المحرمات و[ اجتناب ](١) المحظورات.
قال ابن جريج : قال مجاهد في قوله :﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال : الحرمة : مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وكذا قال ابن زيد.
وقوله :﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي : أحللنا(٢) لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حام.
وقوله :﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي : من تحريم ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ ](٣) الآية [المائدة: ٣]، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة.
وقوله :﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ :" من " هاهنا لبيان الجنس، أي : اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. وقرن الشرك بالله(٤) بقول الزور، كقوله :﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ومنه شهادة الزور. وفي الصحيحين عن أبي بَكْرَة قال : قال رسول الله ﷺ :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا : بلى، يا رسول الله. قال :" الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس، فقال :- ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ". فما زال يكررها، حتى قلنا : ليته سكت(٥).
وقال الإمام أحمد : حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم قال : قام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال :" يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور إشراكا بالله " ثلاثا، ثم قرأ :﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾
وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، به(٦) ثم قال :" غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد. وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي ﷺ ".
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العُصْفُرِيّ، عن أبيه، عن حبيب ابن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك(٧) الأسدي قال : صلى رسول الله ﷺ الصبح، فلما انصرف قام قائما فقال :" عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عز وجل "، ثم تلا هذه الآية :﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٨).
وقال سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال : تعدل شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية(٩).
١ - زيادة من أ..
٢ - في ت :"أحلت"..
٣ - زيادة من ت، ف، أ..
٤ - في أ :"به"..
٥ - صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧)..
٦ - المسند (٤/١٧٨) وسنن الترمذي برقم (٢٢٩٩)..
٧ - في ت :"مقاتل"..
٨ - المسند (٤/٣٢١)..
٩ - تفسير الطبري (١٧/١١٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى