مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال :﴿الذين إن مكناهم في الأرض﴾ والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله :﴿مكناهم في الأرض﴾ ليس إلا هذا، ولأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء، لأنه ليس كل من كان قادرا على الفعل أتى بهذه الأشياء. إذا ثبت هذا فنقول : المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله :﴿الذين إن مكناهم﴾ صفة لمن تقدم وهو قوله :﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة، فإنهم أتوا بالأمور الأربعة، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن قد ثبت أن الله تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة. وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة. ولا يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع، وفي قوله :﴿ولله عاقبة الأمور﴾ دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة. ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذي لا يزول ملكه أبدا وهو أيضا يؤكد ما قلناه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى