التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أكد - سبحانه - انطماس بصائرهم، حيث بين أنهم بدل أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، استعجلوا العذاب فقال :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
أى : أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا فى الأرض فيعتبروا ويتعظوا، أخذوا يطلبون منك - ايها الرسول الكريم - نزول العذاب عاجلا، على سبيل الاستهزاء بك والاستخفاف بما هددناهم به، ويقولون لك : متى هو ؟
فالجملة الكريمة ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ خبرية فى اللفظ، استفهامية فى المعنى.
وقوله - سبحانه - :﴿وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾ جملة حالية جىء بها لتهديهم على استعجالهم العذاب، أى : والحال أن الله - تعالى - لن يخلف ما وعدهم به من العذاب، بل هو منجزه فى الوقت الذى يريده هو وليس الذى يريدونه هم.
وقوله - سبحانه - :﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ جملى مستأنفة سيقت لبيان أن حساب الأزمان فى تقدير الله - تعالى - يخالف ما يقدره البشر.
أى : دعهم - أيها الرسول الكريم - يستعجلون العذاب، فذلك دأب الظالمين فى كل حين، وسبيل الجاهلين فى كل زمان، واعلمهم أن الله - تعالى - لن يخلف وعده إياهم به فى الوقت المحدد لذلك، وإن يوما عنده - تعالى - كألف سنة مما يعده هؤلاء فى دنياهم، وسيأتيهم هذا اليوم الذى يطول عليهم طولا شديدا، لمايرون فيه من عذاب مهين.
قال القرطبى : قوله - تعالى - :﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد : يعنى من الأيام التى خلق فيها السموات والأرض. وقال عكرمة : يعنى من أيام الآخرة، أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب فى أيام قصيرة أنه يأتيهم به فى أيام طويلة.
وقال الفراء : هذا ويعد لهم بامتداد عذابهم فى الآخرة.
وقيل المعنى : وإن يوما فى الخوف والشدة فى الآخرة كألف سنة من سنىّ الدنيا فيها خوف وشدة...

تفسير هذه الآية من كتب أخرى