محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي بالانقياد، والخشية. والضمير للقرآن أو لله تعالى. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أي إلى الطريق الحق والاستقامة، فلا تزل أقدامهم بقبول ما يلقي الشيطان، ولا تقبل قلوبهم إلا ما يلقي الرحمن، لصفائها. هذا هو الصواب في تفسير الآية. ولها نظائر تظهر المراد منها كما أشرنا إليه، لو احتاجت إلى نظير. ولكنها بينة بنفسها، غنية عن التطويل في التأويل، لولا ما أحوج المحققين إلى رد ما دسه بعض الرواة هنا من الأباطيل. ونحن نسوق ما قيل فيها من ذلك، ثم نتبعه بنقد المحققين، لئلا يبقى في نفس الواقف حاجة.
قال ابن جرير الطبري : قيل (١) : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه، في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم ينزل الله عليه. فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ، واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك، بهذه الآيات. ثم ذكر من قال ذلك. فأسند عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وغيرهما ؛ ( أن رسول الله ﷺ جلس في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه. فأنزل الله عليه ( (٢) :﴿والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ فقرأها رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ (٣) :﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى عليه الشيطان كلمتين ( تلك الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترجى ) فتكلم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه، ورضوا بما تكلم به.
قالا : فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة. فلما بلغ الكلمتين المذكورتين قال : ما جئتك بهاتين. فحزن رسول الله ﷺ. فأنزل الله تبارك وتعالى عليه يعزيه :﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية ).
وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : اعلم أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه.
أما المأخذ الأول، فيكفيك أن هذا لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولوعون بكل غريب، الملتقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفاسير. وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف بعض نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته. ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم فيها، واهية ضعيفة، والمرفوع فيه حديث شعبة بن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب ( الشك في الحديث ) أن النبي ﷺ كان بمكة، وذكر القصة.
قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل، يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد. وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا. وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيما ذكرناه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي فما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار رحمه الله : والذي منه في ( الصحيح ) ؛ ( أن النبي ﷺ قرأ سورة ( والنجم ) وهو بمكة. فسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن ).
هذا توهينه من طريق النقل.
وأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته عليه السلام، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة. إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل من مدح غير الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، حتى ينبهه عليه جبريل عليهما السلام، وذلك كله ممتنع في حقه عليه السلام. أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر. أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان – وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا. وذلك أن الكلام، لو كان كما روي، بعيد الالتئام، متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف. ولما كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل. فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟ ووجه ثالث – أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم من أول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشمات بهم الفينة بعد الفينة. وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة. ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا مما سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل. ولو كان لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة. ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة. كما فعلوه مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة. وكذلك ما روي في قصة القضية. ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت. ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت. فما روي عن معاند فيها كلمة. ولا عن مسلم بسببها بنت شفة. فدل على بطلها. واجتثاث أصلها. ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن، على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.
ووجه رابع – ذكر الرواة لهذا القضية أن فيها نزلت (٤) :﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ الآيتين. وهاتان الآياتان تردان الخبر الذي رووه. لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه، أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا، فكيف كثيرا ؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم. وهذا ضد مفهوم الآية، ويضعف الحديث، لو صح، فكيف ولا صحة له ؟ وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث، لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته. ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. فمنها ما رواه قتادة ومقاتل :( أن النبي ﷺ أصابته سنة عند قراءة هذه السورة. فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم ). وهذا لا يصح. إذ لا يجوز على النبي ﷺ مثله في حالة من أحواله. ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة، لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو. وقد قال عليه السلام (٥) :( إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ). وفي حديث الكلبي ؛ ( أن النبي ﷺ حدث نفسه، فقال ذلك الشيطان على لسانه ). وفي رواية ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : ومنها لما أخبر بذلك قال :( إنما ذلك من الشيطان ). وكل هذا لا يصح أن يقوله عليه السلام لا سهوا ولا قصدا. ولا يتقوله الشيطان على لسانه. وقيل : لعل النبي ﷺ قاله أثناء تلاوته، على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار. كقوله إبراهيم (٦) :﴿هذا ربي﴾ على أحد التأويلات. وكقوله (٧) :﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين. ثم رجع إلى تلاوته. وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد، وأنه ليس من المتلو. وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر.
ومما يظهر في تأويله، إن سلمنا القصة، أن يراد بالغرانيق الملائكة. ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح. فلما تأوله المشركون على أن المراد بها آلهتهم، ولبس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم، نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوته تلك اللفظتين. انتهى كلام القاضي ملخصا.
وقال أبو بكر الباقلاني : وقيل :( كان النبي ﷺ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات. ونطق بتلك الكلمات، محاكيا نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله تعالى وأشاعها ).
قال : وهذا أحسن الوجوه. ويؤيده ما روي عن ابن عباس من تفسير ﴿تمنى﴾ ب ( تلا ) وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل. وقال قبله : إن هذه الآية نص في براءة النبي ﷺ مما نسب إليه، وأن الشيطان زاده في قوله صلوات الله عليه، لا أنه عليه السلام قاله.
قال : وقد سبق إلى ذلك الطبري فصوب هذا المعنى وحوم عليه. واستحسان ابن العربي ذلك، على فرض صحة القصة، وإلا فقد قال : ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وقال تقي الدين ابن تيمية (٨) : في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى ) وقالوا : إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال : هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول ﷺ. ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا.
وقالوا في قوله :﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ : هو حديث النفس وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف، فقالوا : هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه وقالوا : الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث. والقرآن يوافق ذلك. فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آيته، وتمييز الحق عن الباطل حتى لا تختلط آيته بغيرها. وجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، إنما يكون ذلك ظاهرا يسمعه الناس، لا باطنا في النفس. والفتنة التي تحصل بهذا النوع. من النسخ، من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ. وهذا النوع أدل على صدق رسول الله ﷺ، وبعده عن الهوى، من ذلك النوع. فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدق في ذلك، فإذا قال عن نفسه أن الثاني هو الذي من عند الله وهو كما قالت عائشة (٩) رضي الله عنها :( لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ ) ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ. فبيان الرسول ﷺ أن الله أحكم آيته ونسخ ما ألقاه الشيطان، هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب. وهذا هو المقصود بالرسالة. فإنه الصادق المصدوق ﷺ تسليما. انتهى.
وفي كلامه رحمه الله نظر من وجوه :
أولا – دعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما. بل القول بذلك ينافي التنزيل والوحي منافاة النار للماء، كما ستراه.
وثانيا – دعواه أن تلك الرواية نقلها ثابت لا يمكن القدح فيه. فقد قدح من لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين. ويكفي أن تلميذه الحافظ ابن كثير ق
قال ابن جرير الطبري : قيل (١) : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه، في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم ينزل الله عليه. فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ، واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك، بهذه الآيات. ثم ذكر من قال ذلك. فأسند عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وغيرهما ؛ ( أن رسول الله ﷺ جلس في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه. فأنزل الله عليه ( (٢) :﴿والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ فقرأها رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ (٣) :﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى عليه الشيطان كلمتين ( تلك الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترجى ) فتكلم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه، ورضوا بما تكلم به.
قالا : فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة. فلما بلغ الكلمتين المذكورتين قال : ما جئتك بهاتين. فحزن رسول الله ﷺ. فأنزل الله تبارك وتعالى عليه يعزيه :﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية ).
وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : اعلم أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه.
أما المأخذ الأول، فيكفيك أن هذا لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولوعون بكل غريب، الملتقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفاسير. وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف بعض نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته. ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم فيها، واهية ضعيفة، والمرفوع فيه حديث شعبة بن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب ( الشك في الحديث ) أن النبي ﷺ كان بمكة، وذكر القصة.
قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل، يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد. وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا. وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيما ذكرناه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي فما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار رحمه الله : والذي منه في ( الصحيح ) ؛ ( أن النبي ﷺ قرأ سورة ( والنجم ) وهو بمكة. فسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن ).
هذا توهينه من طريق النقل.
وأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته عليه السلام، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة. إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل من مدح غير الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، حتى ينبهه عليه جبريل عليهما السلام، وذلك كله ممتنع في حقه عليه السلام. أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر. أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان – وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا. وذلك أن الكلام، لو كان كما روي، بعيد الالتئام، متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف. ولما كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل. فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟ ووجه ثالث – أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم من أول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشمات بهم الفينة بعد الفينة. وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة. ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا مما سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل. ولو كان لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة. ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة. كما فعلوه مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة. وكذلك ما روي في قصة القضية. ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت. ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت. فما روي عن معاند فيها كلمة. ولا عن مسلم بسببها بنت شفة. فدل على بطلها. واجتثاث أصلها. ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن، على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.
ووجه رابع – ذكر الرواة لهذا القضية أن فيها نزلت (٤) :﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ الآيتين. وهاتان الآياتان تردان الخبر الذي رووه. لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه، أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا، فكيف كثيرا ؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم. وهذا ضد مفهوم الآية، ويضعف الحديث، لو صح، فكيف ولا صحة له ؟ وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث، لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته. ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. فمنها ما رواه قتادة ومقاتل :( أن النبي ﷺ أصابته سنة عند قراءة هذه السورة. فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم ). وهذا لا يصح. إذ لا يجوز على النبي ﷺ مثله في حالة من أحواله. ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة، لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو. وقد قال عليه السلام (٥) :( إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ). وفي حديث الكلبي ؛ ( أن النبي ﷺ حدث نفسه، فقال ذلك الشيطان على لسانه ). وفي رواية ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : ومنها لما أخبر بذلك قال :( إنما ذلك من الشيطان ). وكل هذا لا يصح أن يقوله عليه السلام لا سهوا ولا قصدا. ولا يتقوله الشيطان على لسانه. وقيل : لعل النبي ﷺ قاله أثناء تلاوته، على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار. كقوله إبراهيم (٦) :﴿هذا ربي﴾ على أحد التأويلات. وكقوله (٧) :﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين. ثم رجع إلى تلاوته. وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد، وأنه ليس من المتلو. وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر.
ومما يظهر في تأويله، إن سلمنا القصة، أن يراد بالغرانيق الملائكة. ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح. فلما تأوله المشركون على أن المراد بها آلهتهم، ولبس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم، نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوته تلك اللفظتين. انتهى كلام القاضي ملخصا.
وقال أبو بكر الباقلاني : وقيل :( كان النبي ﷺ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات. ونطق بتلك الكلمات، محاكيا نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله تعالى وأشاعها ).
قال : وهذا أحسن الوجوه. ويؤيده ما روي عن ابن عباس من تفسير ﴿تمنى﴾ ب ( تلا ) وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل. وقال قبله : إن هذه الآية نص في براءة النبي ﷺ مما نسب إليه، وأن الشيطان زاده في قوله صلوات الله عليه، لا أنه عليه السلام قاله.
قال : وقد سبق إلى ذلك الطبري فصوب هذا المعنى وحوم عليه. واستحسان ابن العربي ذلك، على فرض صحة القصة، وإلا فقد قال : ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وقال تقي الدين ابن تيمية (٨) : في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى ) وقالوا : إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال : هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول ﷺ. ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا.
وقالوا في قوله :﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ : هو حديث النفس وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف، فقالوا : هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه وقالوا : الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث. والقرآن يوافق ذلك. فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آيته، وتمييز الحق عن الباطل حتى لا تختلط آيته بغيرها. وجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، إنما يكون ذلك ظاهرا يسمعه الناس، لا باطنا في النفس. والفتنة التي تحصل بهذا النوع. من النسخ، من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ. وهذا النوع أدل على صدق رسول الله ﷺ، وبعده عن الهوى، من ذلك النوع. فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدق في ذلك، فإذا قال عن نفسه أن الثاني هو الذي من عند الله وهو كما قالت عائشة (٩) رضي الله عنها :( لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ ) ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ. فبيان الرسول ﷺ أن الله أحكم آيته ونسخ ما ألقاه الشيطان، هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب. وهذا هو المقصود بالرسالة. فإنه الصادق المصدوق ﷺ تسليما. انتهى.
وفي كلامه رحمه الله نظر من وجوه :
أولا – دعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما. بل القول بذلك ينافي التنزيل والوحي منافاة النار للماء، كما ستراه.
وثانيا – دعواه أن تلك الرواية نقلها ثابت لا يمكن القدح فيه. فقد قدح من لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين. ويكفي أن تلميذه الحافظ ابن كثير ق
١ انظر الصفحة رقم ١٨٦ من الجزء السابع عشر..
٢ (٥٣ النجم ١ و٢)..
٣ (٥٣ النجم ١٩ و٢٠)..
٤ (١٧ الإسراء ٧٣)..
٥ (أخرجه البخاري في: ١٩ – كتاب التهجد، ١٦ باب قيامك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالليل في رمضان وغيره، حديث رقم ٦٣١، عن عائشة.
وأخرجه مسلم في: ٦ – كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم ١٢٥..
٦ (٦ الأنعام ٧٧)..
٧ (٢١ الأنبياء ٦٣)..
٨ في شرح دعوى ذي النون. كذا في هامش جامع البيان، صحيفة ٢٩٥..
٩ أخرجه الترمذي في: ٤٤ – كتاب التفسير، سورة الأحزاب، ٩ – حدثنا علي بن حجر..
٢ (٥٣ النجم ١ و٢)..
٣ (٥٣ النجم ١٩ و٢٠)..
٤ (١٧ الإسراء ٧٣)..
٥ (أخرجه البخاري في: ١٩ – كتاب التهجد، ١٦ باب قيامك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالليل في رمضان وغيره، حديث رقم ٦٣١، عن عائشة.
وأخرجه مسلم في: ٦ – كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم ١٢٥..
٦ (٦ الأنعام ٧٧)..
٧ (٢١ الأنبياء ٦٣)..
٨ في شرح دعوى ذي النون. كذا في هامش جامع البيان، صحيفة ٢٩٥..
٩ أخرجه الترمذي في: ٤٤ – كتاب التفسير، سورة الأحزاب، ٩ – حدثنا علي بن حجر..