روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي في شك ﴿مِنْهُ﴾ أي من القرآن ؛ وقيل : من الرسول، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الموحى على ما سمعت و ﴿مِنْ﴾ على جميع ذلك ابتدائية، وجوز أن يرجع إلى ما ألقى الشيطان وأختير عليه أن من سببية فإن مرية الكفار فيما جاءت به الرسل عليهم السلام بسبب ما ألقى الشيطان في الموحى من الشبه والتخيلات فتأمل ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة﴾ أي القيامة نفسها كما يؤذن به قوله تعالى :﴿بَغْتَةً﴾ أي فجأة فإنها الموصوفة بالإتيان كذلك، وقيل : أشراطها على حذف المضاف أو على التجوز.
وقيل : الموت على أن التعريف في ﴿الساعة﴾ للعهد ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي منفرد عن سائر الأيام لا مثل له في شدته أو لا يوم بعده كأن كل يوم يلد. ما بعده من الأيام فما لا يوم بعده يكون عقيماً، والمراد به الساعة بمعنى يوم القيامة أيضاً كأنه قيل أو يأتيهم عذابها فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل والتخويف.
و ﴿أَوْ﴾ في محلها لتغاير الساعة وعذابها وهي لمنع الخلو وكان المراد المبالغة في استمرارهم على المرية، وقيل : المراد بيوم عقيم يوم موتهم فإنه لا يوم بعده بالنسبة إليهم، وقيل : المراد به يوم حرب يقتلون فيه، ووصف بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم، وفيه على الأول مجاز في الإسناد ومجاز في المفرد من جعل الثكل عقماً، وكذا على الثاني لأن الولود والعقيم هي الحرب على سبيل الاستعارة بالكناية فإذا وصف يوم الحرب بذلك كان مجازاً في الإسناد، ومن ثم قيل : إنه مجاز موجه من قولهم ثوب موجه له وجهان، وقيل : هو الذي لا خير فيه يقال : ريح عقيم إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، وفيه على هذا استعارة تبعية لأن ما في اليوم من الصفة المانعة من الخير جعل بمنزلة العقم، وخص غير واحد هذا اليوم بيوم بدر فإنه يوم حرب قتل فيه عتاة الكفرة ويوم لا خير فيه لهم، ويصح أيضاً أن يكون وصفه بعقيم لتفرده بقتال الملائكة عليهم السلام فيه، وأنت تعلم أن الظاهر مما يأتي بعد إن شاء الله تعالى تعين تفسير هذا اليوم بيوم القيامة، هذا وجوز أن يراد من الشيطان شيطان الإنس كالنضر بن الحرث كان يلقي الشبه إلى قومه وإلى الوافدين يثبطهم بها عن الإسلام، وقيل : ضمير ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ للشيطان والمراد بها الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء و ﴿فِى﴾ للسببية مثلها في قوله ﷺ :" إن امرأة دخلت النار في هرة " أي ألقى الشيطان بسبب أمنيته الشبه وأبداها ليبطل بها الآيات.
وقيل :﴿تمني﴾ قرأ و ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته والضمير للنبي أو الرسول و ﴿فِي﴾ على ظاهرها، والمراد بما يلقى الشيطان ما يقع للقارئ من إبدال كلمة بكلمة أو حرف بحرف أو تغيير إعراب سهواً، وقيل : المراد ما يلقيه في الآيات المتشابهة من الاحتمالات التي ليست مراداً لله تعالى، وقيل : تمني هيأ وقدر في نفسه ما يهواه و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته، والمعنى إذا تمنى إيمان قومه وهدايتهم ألقى الشيطان إلى أوليائه شبهاً فينسخ الله تعالى تلك الشبه ويحكم الآيات الدالة على دفعها، وقيل :﴿تمني﴾ قدر في نفسه ما يهواه و ﴿في أُمْنِيَّتِهِ﴾ تشهيه وما يلقيه الشيطان ما يوجب اشتغاله في الدنيا، وجعله فتنة باعتبار ما يظهر منه من الاشتغال بأمور الدنيا، ونسخه إبطاله بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزينه.
وقيل :﴿تمني﴾ قرأ و ﴿في أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي يتكلم بها الشيطان بحيث يظن السامع أنها من قراءة النبي، وقد روى أن الآية نزلت حين قرأ عليه الصلاة والسلام ﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] فألقى الشيطان في سكتته محاكياً نغمته عليه الصلاة والسلام بحيث يسمعه من حوله تعالى الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي فظن المشركون أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكمل بذلك ففرحوا وسجدوا معه لما سجد آخر السورة، وقيل : المتكلم بذلك بعض المشركين وظن سائرهم أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكلم به، وقيل : إنه ﷺ هو الذي تلكم بذلك عامداً لكن مستفهما على سبيل الإنكار والاحتجاج على المشركين، وجعل من إلقاء الشيطان لما ترتب عليه من ظن المشركين أنه مدح لآلهتهم، ولا يمنع ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي لأن الكلام في الصلاة كان جائزاً إذ ذاك.
وقيل : بل كان ساهياً، فقد أخرج عبد بن حميد من طريق يونس عن ابن شهاب قال : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن «أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم والنجم فلما بلغ ﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] قال : إن شفاعتهن ترتجي وسها رسول الله عليه الصلاة والسلام ففرح المشركون بذلك فقال ﷺ :" ألا إنما ذلك من الشيطان " فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ حتى بلغ ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [ الحج : ٥٢ ٥٥ ]، قال الجلال السيوطي : وهو خبر مرسل صحيح الإسناد، وقيل : تكلم بذلك ناعساً.
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : بينا نبي الله ﷺ يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلم ها قال :﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ وإن شفاعتهن لترتجي وإنها لمع الغرانيق العلا فحفظها المشركون وأخبرهم الشيطان أن نبي الله ﷺ قد قرأها فزلت ألسنتهم فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الآية، وقيل :﴿تمني﴾ قدر في نفسه ما يهواه و ﴿أمنيته﴾ قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي، فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله أصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالتهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة النجم قال :﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي، فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله أصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالتهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة النجم قال :﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان عندها كلمات فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجي وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وزلت بهما ألسنتهم وتباشروا بهما وقالوا. إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الآيات، وقيل : إن النبي ﷺ حين ألقاها الشيطان تكلم بها ظانا أنها وحى حتى نبهه جبريل عليه السلام، ففي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر. وابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم فلما بلغ «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى » ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا ثم جاءه جبريل عليهما الصلاة والسلام بعد ذلك فقال : اعرض على ما جئتك به فلما بلغ تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي قال له جبريل عليهما السلام : لم آتك بهذا هذا من الشيطان فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الآية.
وأخرج البزار. والطبري. وابن مردويه. والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد عن ابن عباس نحو ذلك لكن ليس فيه حديث السجود وفيه أيضاً مغايرة يسيرة غير ذلك، وجاء حديث السجود في خبر آخر عنه أخرجه البزار. وابن مردويه أيضاً من طريق أمية بن خالد عن شعبة لكن قال في إسناده : عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب فشك في وصله، وفي رواية أبي حاتم عن السدي أن جبريل عليه السلام قال له عليه الصلاة والسلام حين عرض عليه ذلك : معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا فاشتد عليه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى وطيب نفسه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الآية قيل : ولمشابهة ما ألقى الشيطان للوحي المنزل وكونه في أثنائه أطلق على إبطاله اسم النسخ الشائع إيقاعه على ما هو وحي حقيقة لكن لا يخفى أن النسخ الشرعي لا يتعلق بنحو ما ذكر من الإخبار فلا بد من تأويل ما لذلك، وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة فقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال القاضي عياض في الشفاء : يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون. والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.
وفي «البحر » أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية فقال : هذا من وضع الزنادقة وصنف في ذلك كتاباً. وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء الصواب أن قوله : تلك الغرانيق العلا من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة الدين وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية. وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور. منها تسلط الشيطان عليه عليه الصلاة والسلام وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان لاسيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه :﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] وقال تعالى :﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين ءامَنُواْ﴾ [النحل: ٩٩] إلى غير ذلك، ومنها زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه عليه الصلاة والسلام لمكان العصمة، ومنها اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً ممتزج المدح بالذم وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ، ومنها أنه إما أن يكون عليه الصلاة والسلام عند نطقه بذلك متعقداً ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات وهو كفر محال في حقه ﷺ وإما أن يكون معتقداً معنى آخر مخالفاً لما اعتقدوه ومبايناً لظاهر العبارة ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم في
وقيل : الموت على أن التعريف في ﴿الساعة﴾ للعهد ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي منفرد عن سائر الأيام لا مثل له في شدته أو لا يوم بعده كأن كل يوم يلد. ما بعده من الأيام فما لا يوم بعده يكون عقيماً، والمراد به الساعة بمعنى يوم القيامة أيضاً كأنه قيل أو يأتيهم عذابها فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل والتخويف.
و ﴿أَوْ﴾ في محلها لتغاير الساعة وعذابها وهي لمنع الخلو وكان المراد المبالغة في استمرارهم على المرية، وقيل : المراد بيوم عقيم يوم موتهم فإنه لا يوم بعده بالنسبة إليهم، وقيل : المراد به يوم حرب يقتلون فيه، ووصف بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم، وفيه على الأول مجاز في الإسناد ومجاز في المفرد من جعل الثكل عقماً، وكذا على الثاني لأن الولود والعقيم هي الحرب على سبيل الاستعارة بالكناية فإذا وصف يوم الحرب بذلك كان مجازاً في الإسناد، ومن ثم قيل : إنه مجاز موجه من قولهم ثوب موجه له وجهان، وقيل : هو الذي لا خير فيه يقال : ريح عقيم إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، وفيه على هذا استعارة تبعية لأن ما في اليوم من الصفة المانعة من الخير جعل بمنزلة العقم، وخص غير واحد هذا اليوم بيوم بدر فإنه يوم حرب قتل فيه عتاة الكفرة ويوم لا خير فيه لهم، ويصح أيضاً أن يكون وصفه بعقيم لتفرده بقتال الملائكة عليهم السلام فيه، وأنت تعلم أن الظاهر مما يأتي بعد إن شاء الله تعالى تعين تفسير هذا اليوم بيوم القيامة، هذا وجوز أن يراد من الشيطان شيطان الإنس كالنضر بن الحرث كان يلقي الشبه إلى قومه وإلى الوافدين يثبطهم بها عن الإسلام، وقيل : ضمير ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ للشيطان والمراد بها الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء و ﴿فِى﴾ للسببية مثلها في قوله ﷺ :" إن امرأة دخلت النار في هرة " أي ألقى الشيطان بسبب أمنيته الشبه وأبداها ليبطل بها الآيات.
وقيل :﴿تمني﴾ قرأ و ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته والضمير للنبي أو الرسول و ﴿فِي﴾ على ظاهرها، والمراد بما يلقى الشيطان ما يقع للقارئ من إبدال كلمة بكلمة أو حرف بحرف أو تغيير إعراب سهواً، وقيل : المراد ما يلقيه في الآيات المتشابهة من الاحتمالات التي ليست مراداً لله تعالى، وقيل : تمني هيأ وقدر في نفسه ما يهواه و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته، والمعنى إذا تمنى إيمان قومه وهدايتهم ألقى الشيطان إلى أوليائه شبهاً فينسخ الله تعالى تلك الشبه ويحكم الآيات الدالة على دفعها، وقيل :﴿تمني﴾ قدر في نفسه ما يهواه و ﴿في أُمْنِيَّتِهِ﴾ تشهيه وما يلقيه الشيطان ما يوجب اشتغاله في الدنيا، وجعله فتنة باعتبار ما يظهر منه من الاشتغال بأمور الدنيا، ونسخه إبطاله بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزينه.
وقيل :﴿تمني﴾ قرأ و ﴿في أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي يتكلم بها الشيطان بحيث يظن السامع أنها من قراءة النبي، وقد روى أن الآية نزلت حين قرأ عليه الصلاة والسلام ﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] فألقى الشيطان في سكتته محاكياً نغمته عليه الصلاة والسلام بحيث يسمعه من حوله تعالى الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي فظن المشركون أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكمل بذلك ففرحوا وسجدوا معه لما سجد آخر السورة، وقيل : المتكلم بذلك بعض المشركين وظن سائرهم أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكلم به، وقيل : إنه ﷺ هو الذي تلكم بذلك عامداً لكن مستفهما على سبيل الإنكار والاحتجاج على المشركين، وجعل من إلقاء الشيطان لما ترتب عليه من ظن المشركين أنه مدح لآلهتهم، ولا يمنع ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي لأن الكلام في الصلاة كان جائزاً إذ ذاك.
وقيل : بل كان ساهياً، فقد أخرج عبد بن حميد من طريق يونس عن ابن شهاب قال : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن «أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم والنجم فلما بلغ ﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] قال : إن شفاعتهن ترتجي وسها رسول الله عليه الصلاة والسلام ففرح المشركون بذلك فقال ﷺ :" ألا إنما ذلك من الشيطان " فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ حتى بلغ ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [ الحج : ٥٢ ٥٥ ]، قال الجلال السيوطي : وهو خبر مرسل صحيح الإسناد، وقيل : تكلم بذلك ناعساً.
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : بينا نبي الله ﷺ يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلم ها قال :﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ وإن شفاعتهن لترتجي وإنها لمع الغرانيق العلا فحفظها المشركون وأخبرهم الشيطان أن نبي الله ﷺ قد قرأها فزلت ألسنتهم فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الآية، وقيل :﴿تمني﴾ قدر في نفسه ما يهواه و ﴿أمنيته﴾ قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي، فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله أصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالتهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة النجم قال :﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي، فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله أصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالتهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة النجم قال :﴿أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان عندها كلمات فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجي وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وزلت بهما ألسنتهم وتباشروا بهما وقالوا. إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الآيات، وقيل : إن النبي ﷺ حين ألقاها الشيطان تكلم بها ظانا أنها وحى حتى نبهه جبريل عليه السلام، ففي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر. وابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم فلما بلغ «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى » ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا ثم جاءه جبريل عليهما الصلاة والسلام بعد ذلك فقال : اعرض على ما جئتك به فلما بلغ تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي قال له جبريل عليهما السلام : لم آتك بهذا هذا من الشيطان فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الآية.
وأخرج البزار. والطبري. وابن مردويه. والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد عن ابن عباس نحو ذلك لكن ليس فيه حديث السجود وفيه أيضاً مغايرة يسيرة غير ذلك، وجاء حديث السجود في خبر آخر عنه أخرجه البزار. وابن مردويه أيضاً من طريق أمية بن خالد عن شعبة لكن قال في إسناده : عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب فشك في وصله، وفي رواية أبي حاتم عن السدي أن جبريل عليه السلام قال له عليه الصلاة والسلام حين عرض عليه ذلك : معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا فاشتد عليه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى وطيب نفسه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الآية قيل : ولمشابهة ما ألقى الشيطان للوحي المنزل وكونه في أثنائه أطلق على إبطاله اسم النسخ الشائع إيقاعه على ما هو وحي حقيقة لكن لا يخفى أن النسخ الشرعي لا يتعلق بنحو ما ذكر من الإخبار فلا بد من تأويل ما لذلك، وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة فقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال القاضي عياض في الشفاء : يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون. والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.
وفي «البحر » أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية فقال : هذا من وضع الزنادقة وصنف في ذلك كتاباً. وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء الصواب أن قوله : تلك الغرانيق العلا من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة الدين وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية. وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور. منها تسلط الشيطان عليه عليه الصلاة والسلام وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان لاسيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه :﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] وقال تعالى :﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين ءامَنُواْ﴾ [النحل: ٩٩] إلى غير ذلك، ومنها زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه عليه الصلاة والسلام لمكان العصمة، ومنها اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً ممتزج المدح بالذم وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ، ومنها أنه إما أن يكون عليه الصلاة والسلام عند نطقه بذلك متعقداً ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات وهو كفر محال في حقه ﷺ وإما أن يكون معتقداً معنى آخر مخالفاً لما اعتقدوه ومبايناً لظاهر العبارة ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم في