غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس. قال الجوهري : المخلقة التامة الخلق. وقال قتادة والضحاك : أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناسفي خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم. وقال مجاهد : المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل : المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال : إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال : يا رب مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال : يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد ؟ فيقول سبحانه : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها. وقوله ﴿لنبين لكم﴾ غاية لقوله ﴿خلقناكم﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا. وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل : أراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة ؟ ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ أن نقره من ذلك ﴿إلى أجل مسمى﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ثم نخرجكم﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ثم﴾ نربيكم شيئاً بعد شيء ﴿لتبلغوا أشدكم﴾ ومن قرأ ﴿ونقر﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين : إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف. والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ وقد مر في " النحل " شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿وترى﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿الأرض﴾ حال كونها ﴿هامدة﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك. همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿وربت﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله زبداً رابياً } [الرعد: ١٧] وذلك في " الرعد " والمراد كمال تهيؤ الأرض لظهور النبات منها. ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم " ربأ القوم " إذا كان لهم طليعة فوق شرف. ثم أشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿وأنبتت من كل زوج﴾ أي بعضاً من كل صنف. ﴿بهيج﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد : هو الشيء المشرق الجميل. وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿إن زلزلة الساعة﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿شيء عظيم﴾ ﴿وتذهب كل مرضعة﴾ هي مواد الأشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿وتضع كل ذات حمل﴾ وهي الهيوليات ﴿حملها﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهيوليات لأجلها ﴿وترى الناس سكارى﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿وما هم بسكارى﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ونقر في الأرحام﴾ أمهات العدم ﴿ما نشاء إلى أجل مسمى﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ثم نخرجكم طفلاً﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال. ﴿ومنكم من يتوفى﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ومنكم من يرد﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿وترى﴾ أرض القالب ﴿هامدة فإذا أنزلنا عليها﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿اهتزت﴾ ﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ في الإلهية ﴿وإنه يحيي﴾ القلوب الميتة ﴿وأن الساعة﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿آتية وأن الله يبعث﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿عذاب الحريق﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿من كان يظن﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ثم ليقطع﴾ مادة تقديري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿فلينظر هل﴾ ينقطع أم لا ﴿هذان خصمان﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿قطعت لهم ثياب﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع. ﴿يصب من فوق رؤوسهم﴾ حميم الشهوات النفسانية. وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب. ﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿والجلود﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿وترى﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿الأرض﴾ حال كونها ﴿هامدة﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك. همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿وربت﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله زبداً رابياً } [الرعد: ١٧] وذلك في " الرعد " والمراد كمال تهيؤ الأرض لظهور النبات منها. ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم " ربأ القوم " إذا كان لهم طليعة فوق شرف. ثم أشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿وأنبتت من كل زوج﴾ أي بعضاً من كل صنف. ﴿بهيج﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد : هو الشيء المشرق الجميل. وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله.