زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني : أهل مكة ﴿إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ﴾ أي : في شك من القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ﴾ يعني : خلق آدم ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ يعني : خلق ولده، والمعنى : إن شككتم في بعثكم فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم، فإنكم لا تجدون في القدرة فرقا بين الابتداء والإعادة. فأما النطفة، فهي المني. والعلقة : دم عبيط جامد. وقيل سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقةً. والمضغة : لحمة صغير. قال ابن قتيبة : وسميت بذلك، لأنه بقدر ما يمضغ، كما قيل : غرفة لقدر ما يغرف.
قوله تعالى :﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فيه خمسة أقوال :
أحدها : أن المخلقة : ما خلق سويا، وغير المخلقة : ما ألقته الأرحام من النطف، وهو دم قبل أن يكون خلقا، قاله ابن مسعود.
والثاني : أن المخلقة : ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، وهو الذي يولد حيا لتمامٍ، وغير المخلقة : ما سقط غير حيٍ لم يكمل خلقه بنفح الروح فيه، هذا معنى قول ابن عباس.
والثالث : أن المخلقة : المصورة، وغير المخلقة : غير مصورة، قاله الحسن.
والرابع : أن المخلقة وغير المخلقة : السقط، تارة يسقط نطفة وعلقة، وتارة قد صور بعضه، وتارة صور كله، قاله السدي.
والخامس : أن المخلقة : التامة، وغير المخلقة : السقط، قاله الفراء، وابن قتيبة.
قوله تعالى :﴿لّنُبَيّنَ لَكُمْ﴾ فيه أربعة أقوال :
أحدها : خلقناكم لنبين لكم ما تأتون وما تذرون.
والثاني : لنبين لكم في القرآن بدو خلقكم، وتنقل أحوالكم.
والثالث : لنبين لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم.
والرابع : لنبين لكم أن البعث حق.
وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة " ليبين لكم " بالياء.
قوله تعالى :﴿وَنُقِرُّ في الأرحام﴾ وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء :" ويقر " بياء مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو إسحاق السبيعي :" ويقر " بياء مرفوعة وبكسر القاف ونصب الراء. والذي يقر في الأرحام، هو الذي لا يكون سقطا، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو أجل الولادة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أبو عبيدة : هو في موضع " أطفال "، والعرب قد تضع لفظ الواحد في معنى الجميع، قال الله تعالى :﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] أي : ظهراء، وأنشد :
فقلنا أسلموا إنا أخوكمفقد برئت من الإحن الصدور
وأنشد أيضا :
في حلقكم عظم وقد شجينا ***. . .
وقال غيره : إنما قال " طفلاً " فوحد، لأن الميم في قوله تعالى :﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ قد دلت على الجميع، فلم يحتج إلى أن يقول : أطفالاً.
قوله تعالى :﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ﴾ فيه إضمار، تقديره : ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم، وقد سبق معنى " الأشد " [الأنعام: ١٥٣]، ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى﴾ من قبل بلوغ الأشد ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وقد شرحناه في النحل :[ ٧٠ ]. ثم إن الله تعالى دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى :﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً﴾ قال ابن قتيبة : أي : ميتة يابسة، ومثله : همدت النار : إذا طفئت فذهبت.
قوله تعالى :﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء﴾ يعني : المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي : تحركت للنبات، وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر، فهو معنى قوله تعالى :﴿وَرَبَتْ﴾ أي : ارتفعت وزادت. وقال المبرد : أراد : اهتز نباتها وربا، فحذف المضاف. قال الفراء : وقرأ أبو جعفر المدني :" وربأت " بهمزة مفتوحة بعد الباء. فإن كان ذهب إلى الربيئة الذي يحرس القوم، أي : أنه يرتفع، وإلا، فهو غلط.
قوله تعالى :﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قال ابن قتيبة : من كل جنس حسنٍ يبهج، أي : يسر، وهو فعيل في معنى فاعل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى