اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً﴾ الآية لما دل على قدرته بما تقدم أتبعه بأنواع أُخَر من الدلائل على قدرته ونعمته فقال :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ﴾ وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المراد الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، فحمل الكلام على حقيقته أولى.
والثاني : المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام.
الثالث : المراد ألم تعلم (١).
قال ابن الخطيب : والأول ضعيف، لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي، وإذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل(٢).
قوله :«فتصبح » فيه قولان :
أحدهما : أنه مضارع لفظاً ماض معنى تقديره : فأصبحت، قاله أبو البقاء(٣)، ثم قال بعد أن عطفه على «أَنْزَل » : فلا موضع له إذاً(٤). وهو كلام ضعيف، لأن عطفه على «أنزل » يقتضي أن يكون له محل من الإعراب وهو الرفع خبراً ل «أن ». لكنه لا يجوز لعدم الربط.
الثاني : أنه على بابه، ورفعه على الاستئناف. قال أبو البقاء : فهي، أي : القصة، و«تُصْبِح » الخبر(٥). قال شهاب الدين : ولا حاجة إلى تقدير مبتدأ، بل هذه جملة فعلية مستأنفة لا سيما وقَدَّر(٦) المبتدأ ضمير القصة ثم حذفه، وهو لا يجوز، لأنه لا يؤتى بضمير القصة إلا للتأكيد والتعظيم والحذف ينافيه(٧). قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل : فأصبحت، ولم صرف إلى لفظ المضارع. قلت : لنكتة(٨) فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول : أنعَمَ عليَّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو(٩) شاكراً له، ولو قلت : فَرِحْتُ(١٠) وغَدَوْتُ لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جواباً بالاستفهام. قلت : لو نصب لأعطى عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك : ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله(١١). وقال ابن عطية : قوله :«فَتُصْبِِحُ » بمنزلة قوله : فتضحى أو تصير، عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ووقع(١٢) قوله :«فتُصْبحُ » من حيث الآية خبر، والفاء عاطفة وليست بجواب، لأن كونها جواباً(١٣) لقوله :«أَلَمْ تَر » فاسد المعنى(١٤). قال أبو حيان : ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصب نافياً للاخضرار، ولا(١٥) كون المعنى فاسداً.
قال سيبويه : وسألته - يعني الخليل - عن ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ فقال : هذا واجب وتنبيه، كأنك قلت : أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا (١٦).
قال ابن خروف : وقوله : هذا واجب. وقوله : فكان كذا. يريد أنهما ماضيان وفسر الكلام ب «أتسمع ». ( ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام(١٧) ) لضعف حكم الاستفهام فيه (١٨).
وقال بعض شراح الكتاب :«فتُصْبِحُ » لا يمكن نصبه، لأن الكلام واجب، ألا ترى أن المعنى أن الله أنزل فالأرض هذه حالها(١٩). وقال الفراء :«ألَمْ تَر » خبر، كما تقول في الكلام : اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا(٢٠). ويقول(٢١) : إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا، لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام، وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام، هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾(٢٢) [الأعراف: ١٧٢] وكذلك الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب. فإذا قلت : ما تأتينا فتحدثنا. بالنصب، فالمعنى ما تأتينا محدثاً، وإنما تأتينا ولا تُحَدَِّث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتي فكيف تحدث، فالحديث منتف في الحالتين(٢٣)، والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة وينفي الجواب(٢٤)، فيلزم من هذا التقدير إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار، وهو خلاف المقصود.
وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط وجزاء كقوله :
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِركَ الرُّسُومُ(٢٥) ***. . .
يتقدر : إن تسأل تخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر : إن تر إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة، لأن اخضرارِها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال.
وإنما عبر بالمضارع، لأن فيه تصوير الهيئة(٢٦) التي(٢٧) الأرض عليها والحالة التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء، وهذا كقول جحدر بن معاوية يصف حاله مع أسد نازله في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي أبيات فمنها :
فقوله : فأَكِرُّ تصوير للحالة التي لابسها(٢٩). قال شهاب الدين : أما قوله : وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد مع الاستفهام. إلى قوله : إنما هو مترتب على الإنزال. منتزع من كلام أبي البقاء. قال أبو البقاء : إنما رفع الفعل هنا وإن كان قبله استفهام لأمرين :
أحدهما : أنه استفهام بمعنى الخبر، أي قدر رأيت فلا يكون له جواب.
والثاني : أن ما بعد الفاء ينصب إذا كان المستفهم عنه سبباً له، ورؤيته لإنزال الماء لا يوجب اخضرار الأرض، وإنما يجب على الماء (٣٠).
وأما قوله : وإنما عبر بالمضارع. فهو معنى كلام الزمخشري بعينه، وإنما غير عبارته وأوسعها. (٣١)
وقوله :«فَتُصْبح » استدل به بعضهم على أن الفاء لا تقتضي التعقيب، قال : لأن اخضرارها متراخ عن إنزال الماء، هذا بالمشاهدة.
وأجيب عن ذلك بما نقله عكرمة من أن أرض مكة وتهامة على ما ذكروا أنها تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة، فالفاء على بابها(٣٢). قال ابن عطية : شاهدت هذا في السوس(٣٣) الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف(٣٤). وقيل : تراها(٣٥) كل شيء بحسبه(٣٦)، وقيل : ثم جُمَلٌ محذوفة قبل الفاء تقديره : فتهتز وتربو وتنبت، بيّن ذلك قوله تعالى :﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ﴾(٣٧) [الحج: ٥] وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى الكلام كقوله تعالى :﴿فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا(٣٨) الصديق أَفْتِنَا﴾(٣٩) [يوسف: ٤٥ - ٤٦] إلى آخر القصة. و «تُصْبِحُ » يجوز أن تكون الناقصة وأن تكون التامة «مُخَضَرَّة » حال قاله أبو البقاء(٤٠). وفيه بعد عن المعنى إذ يصير التقدير فتدخل الأرض في وقت الصباح على هذه الحال. ويجوز فيها أيضاً أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بهذا الزمن الخاص، وإنما خص هذا الوقت لأن الخضرة والبساتين أبهج ما ترى فيه ويجوز أن تكون بمعنى تصير. وقرأ العامة «مُخضَرَّة » بضم الميم وتشديد الراء اسم فاعل من اخْضَرَّت فهي مُخْضَرَّة، والأصل مُخْضَررَة بكسر الراء الأولى فأدغمت في مثلها. وقرأ بعضهم «مَخْضَرَة » بفتح الميم وتخفيف الراء(٤١) بزنة مَبْقَلة ومَسْبعة.
والمعنى : ذات خضروات وذات سِبَاع وذات بَقْل.
ثم قال :﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي : أنه(٤٢) رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة، والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوان أجمع. ومعنى «خَبِير » أي ؛ عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقال ابن عباس :«لطيفٌ » بأرزاق عباده «خبير » بما في قلوبهم من القنوط. وقال الكلبي :«لطيف » في أفعاله «خبير » بأعمال خلقه.
وقال مقاتل :«لطيف » باستخراج النبت «خبير » بكيفية خلقه(٤٣).
أحدها : أن المراد الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، فحمل الكلام على حقيقته أولى.
والثاني : المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام.
الثالث : المراد ألم تعلم (١).
قال ابن الخطيب : والأول ضعيف، لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي، وإذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل(٢).
قوله :«فتصبح » فيه قولان :
أحدهما : أنه مضارع لفظاً ماض معنى تقديره : فأصبحت، قاله أبو البقاء(٣)، ثم قال بعد أن عطفه على «أَنْزَل » : فلا موضع له إذاً(٤). وهو كلام ضعيف، لأن عطفه على «أنزل » يقتضي أن يكون له محل من الإعراب وهو الرفع خبراً ل «أن ». لكنه لا يجوز لعدم الربط.
الثاني : أنه على بابه، ورفعه على الاستئناف. قال أبو البقاء : فهي، أي : القصة، و«تُصْبِح » الخبر(٥). قال شهاب الدين : ولا حاجة إلى تقدير مبتدأ، بل هذه جملة فعلية مستأنفة لا سيما وقَدَّر(٦) المبتدأ ضمير القصة ثم حذفه، وهو لا يجوز، لأنه لا يؤتى بضمير القصة إلا للتأكيد والتعظيم والحذف ينافيه(٧). قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل : فأصبحت، ولم صرف إلى لفظ المضارع. قلت : لنكتة(٨) فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول : أنعَمَ عليَّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو(٩) شاكراً له، ولو قلت : فَرِحْتُ(١٠) وغَدَوْتُ لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جواباً بالاستفهام. قلت : لو نصب لأعطى عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك : ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله(١١). وقال ابن عطية : قوله :«فَتُصْبِِحُ » بمنزلة قوله : فتضحى أو تصير، عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ووقع(١٢) قوله :«فتُصْبحُ » من حيث الآية خبر، والفاء عاطفة وليست بجواب، لأن كونها جواباً(١٣) لقوله :«أَلَمْ تَر » فاسد المعنى(١٤). قال أبو حيان : ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصب نافياً للاخضرار، ولا(١٥) كون المعنى فاسداً.
قال سيبويه : وسألته - يعني الخليل - عن ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ فقال : هذا واجب وتنبيه، كأنك قلت : أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا (١٦).
قال ابن خروف : وقوله : هذا واجب. وقوله : فكان كذا. يريد أنهما ماضيان وفسر الكلام ب «أتسمع ». ( ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام(١٧) ) لضعف حكم الاستفهام فيه (١٨).
وقال بعض شراح الكتاب :«فتُصْبِحُ » لا يمكن نصبه، لأن الكلام واجب، ألا ترى أن المعنى أن الله أنزل فالأرض هذه حالها(١٩). وقال الفراء :«ألَمْ تَر » خبر، كما تقول في الكلام : اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا(٢٠). ويقول(٢١) : إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا، لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام، وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام، هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾(٢٢) [الأعراف: ١٧٢] وكذلك الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب. فإذا قلت : ما تأتينا فتحدثنا. بالنصب، فالمعنى ما تأتينا محدثاً، وإنما تأتينا ولا تُحَدَِّث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتي فكيف تحدث، فالحديث منتف في الحالتين(٢٣)، والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة وينفي الجواب(٢٤)، فيلزم من هذا التقدير إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار، وهو خلاف المقصود.
وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط وجزاء كقوله :
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِركَ الرُّسُومُ(٢٥) ***. . .
يتقدر : إن تسأل تخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر : إن تر إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة، لأن اخضرارِها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال.
وإنما عبر بالمضارع، لأن فيه تصوير الهيئة(٢٦) التي(٢٧) الأرض عليها والحالة التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء، وهذا كقول جحدر بن معاوية يصف حاله مع أسد نازله في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي أبيات فمنها :
| يَسْمُو بِنَاظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فِيْهمَا | لَما أَجَالَهُمَا شُعَاعَ سِرَاجِ |
| لَما نَزَلْتَ بِحصْنٍ أَزْبَرَ مِهْصَرٍ | لِلْقِرْنِ أَرْوَاح العِدَا مَحَّاجِ |
| فَأَكِرُّ أَحْمِلُ وَهو يُقْعِي باسْتِه | فَإِذَا يَعُوْدُ فَرَاجِعٌ أَدْرَاجِ |
| وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أَبَيْتُ نِزَالَهُ | أَنِّيْ مِنَ الحَجَّاجِ لَسْتُ بَنَاجِ(٢٨) |
أحدهما : أنه استفهام بمعنى الخبر، أي قدر رأيت فلا يكون له جواب.
والثاني : أن ما بعد الفاء ينصب إذا كان المستفهم عنه سبباً له، ورؤيته لإنزال الماء لا يوجب اخضرار الأرض، وإنما يجب على الماء (٣٠).
وأما قوله : وإنما عبر بالمضارع. فهو معنى كلام الزمخشري بعينه، وإنما غير عبارته وأوسعها. (٣١)
وقوله :«فَتُصْبح » استدل به بعضهم على أن الفاء لا تقتضي التعقيب، قال : لأن اخضرارها متراخ عن إنزال الماء، هذا بالمشاهدة.
وأجيب عن ذلك بما نقله عكرمة من أن أرض مكة وتهامة على ما ذكروا أنها تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة، فالفاء على بابها(٣٢). قال ابن عطية : شاهدت هذا في السوس(٣٣) الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف(٣٤). وقيل : تراها(٣٥) كل شيء بحسبه(٣٦)، وقيل : ثم جُمَلٌ محذوفة قبل الفاء تقديره : فتهتز وتربو وتنبت، بيّن ذلك قوله تعالى :﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ﴾(٣٧) [الحج: ٥] وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى الكلام كقوله تعالى :﴿فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا(٣٨) الصديق أَفْتِنَا﴾(٣٩) [يوسف: ٤٥ - ٤٦] إلى آخر القصة. و «تُصْبِحُ » يجوز أن تكون الناقصة وأن تكون التامة «مُخَضَرَّة » حال قاله أبو البقاء(٤٠). وفيه بعد عن المعنى إذ يصير التقدير فتدخل الأرض في وقت الصباح على هذه الحال. ويجوز فيها أيضاً أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بهذا الزمن الخاص، وإنما خص هذا الوقت لأن الخضرة والبساتين أبهج ما ترى فيه ويجوز أن تكون بمعنى تصير. وقرأ العامة «مُخضَرَّة » بضم الميم وتشديد الراء اسم فاعل من اخْضَرَّت فهي مُخْضَرَّة، والأصل مُخْضَررَة بكسر الراء الأولى فأدغمت في مثلها. وقرأ بعضهم «مَخْضَرَة » بفتح الميم وتخفيف الراء(٤١) بزنة مَبْقَلة ومَسْبعة.
والمعنى : ذات خضروات وذات سِبَاع وذات بَقْل.
ثم قال :﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي : أنه(٤٢) رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة، والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوان أجمع. ومعنى «خَبِير » أي ؛ عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقال ابن عباس :«لطيفٌ » بأرزاق عباده «خبير » بما في قلوبهم من القنوط. وقال الكلبي :«لطيف » في أفعاله «خبير » بأعمال خلقه.
وقال مقاتل :«لطيف » باستخراج النبت «خبير » بكيفية خلقه(٤٣).
١ انظر الفخر الرازي ٢٣/٦٢ – ٦٣..
٢ الفخر الرازي ٢٣/٦٣..
٣ التبيان ٢/٩٤٧..
٤ التبيان ٢/٩٤٧..
٥ المرجع السابق..
٦ في ب: قدر..
٧ الدر المصون..
٨ في الأصل: لكنه. وهو تحريف..
٩ في ب: فأغدو وأروح.
١٠ في الأصل: رحت..
١١ الكشاف ٣/٣٨ – ٣٩..
١٢ في النسختين: ورفع. والصواب ما أثبته..
١٣ في ب: لأنها جوابا. وهو تحريف..
١٤ تفسير ابن عطية ١٠/٣١٣ – ٣١٤..
١٥ في النسختين: إلا..
١٦ أي: أن هذا الكلام عند سيبويه والخليل خبر، وليست الفاء بجواب لقوله "ألم تر" وإنما خالف الواجب النفي لأنك تنقض النفي إذا نصبت وتغير المعنى. الكتاب ٣/٤٠..
١٧ ما بين القوسين مكرر في ب..
١٨ لأن الاستفهام تقريري. البحر المحيط ٦/٣٧٦..
١٩ البحر المحيط ٦/٣٨٦..
٢٠ النص بلفظه من البحر المحيط، وبتصرف من معاني القرآن، وهو فيه (وقوله: فتصبح الأرض مخضرة، رفعت فتصبح لأن المعنى في "ألم تر" معناه خبر كأنك قلت: اعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض) ٢/٢٢٩..
٢١ في الأصل: فيقول..
٢٢ [الأعراف: ١٧٢]..
٢٣ انظر شرح المفصل ٤/٢٧ – ٢٨..
٢٤ في ب: الجزم. وهو تحريف. وانظر شرح التصريح ٢/٣٣٩-٣٤٠..
٢٥ صدر بيت من بحر الوافر، ولم يعز إلى قائل، وعجزه:
على فرتاج والطلل القديم ***...
والبيت من شواهد سيبويه وهو في الكتاب ٣/٣٤، وشرح أبيات سيبويه للنحاس (٢٩٢) اللسان (فرتج)، البحر المحيط ٦/ ٣٨٦، ورواية اللسان: ألم تسألي فتخبرك. الفرتاج: موضع في بلاد طيئ. والشاهد فيه نصب الفعل المضارع بعد الفاء لأنه جواب الاستفهام، ولأن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط جزاء..
٢٦ في ب: الهية، وهو تحريف..
٢٧ في ب: التي هي..
٢٨ هذه الأبيات من بحر الكامل، قالها جحدر بن مالك، في الخزانة ٧/٤٦٥ البيت الأول رواية عجزه: من ظن خالهما شعاع سواج. والشاهد فيها كما بينه ابن عادل أن قوله (فأكر) تصوير للحالة التي لابسها..
٢٩ البحر المحيط ٦/٣٨٦..
٣٠ التبيان ٢/٩٤٧..
٣١ الدر المصون: ٥/٨٠..
٣٢ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٣١٤..
٣٣ السوس: واد في جنوب المغرب ١٨٠ كم، ينبع في سفح طوبقال بالأطلس
الأعلى. المنجد في الأعلام (٣١٤)..
٣٤ تفسير ابن عطية ١٠/ ٣١٤ – ٣١٥..
٣٥ في الأصل: تراخى. وهو تحريف..
٣٦ وذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب في كل شيء بحسبه، نحو جاء زيد فعمرو، أي عقبه بلا مهلة، ويقال: تزوج فلان فولد له. إذ لم يكن بينهما إلا مدة الحمل. ودخلت البصرة فبغداد، إذ لم تقم في البصرة ولا بين البلدين. ومنه قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ المغني ١/ ١٦ – ١٦٢ الهمع ٢/١٣١..
٣٧ [الحج: ٥]..
٣٨ أيها: سقط من ب..
٣٩ [يوسف: ٤٥، ٤٦]..
٤٠ التبيان: ٢/ ٩٤٧..
٤١ تفسير ابن عطية ١٠/٣١٥، البحر المحيط ٦/٣٨٧..
٤٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/٦٣..
٤٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/٦٣..
٢ الفخر الرازي ٢٣/٦٣..
٣ التبيان ٢/٩٤٧..
٤ التبيان ٢/٩٤٧..
٥ المرجع السابق..
٦ في ب: قدر..
٧ الدر المصون..
٨ في الأصل: لكنه. وهو تحريف..
٩ في ب: فأغدو وأروح.
١٠ في الأصل: رحت..
١١ الكشاف ٣/٣٨ – ٣٩..
١٢ في النسختين: ورفع. والصواب ما أثبته..
١٣ في ب: لأنها جوابا. وهو تحريف..
١٤ تفسير ابن عطية ١٠/٣١٣ – ٣١٤..
١٥ في النسختين: إلا..
١٦ أي: أن هذا الكلام عند سيبويه والخليل خبر، وليست الفاء بجواب لقوله "ألم تر" وإنما خالف الواجب النفي لأنك تنقض النفي إذا نصبت وتغير المعنى. الكتاب ٣/٤٠..
١٧ ما بين القوسين مكرر في ب..
١٨ لأن الاستفهام تقريري. البحر المحيط ٦/٣٧٦..
١٩ البحر المحيط ٦/٣٨٦..
٢٠ النص بلفظه من البحر المحيط، وبتصرف من معاني القرآن، وهو فيه (وقوله: فتصبح الأرض مخضرة، رفعت فتصبح لأن المعنى في "ألم تر" معناه خبر كأنك قلت: اعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض) ٢/٢٢٩..
٢١ في الأصل: فيقول..
٢٢ [الأعراف: ١٧٢]..
٢٣ انظر شرح المفصل ٤/٢٧ – ٢٨..
٢٤ في ب: الجزم. وهو تحريف. وانظر شرح التصريح ٢/٣٣٩-٣٤٠..
٢٥ صدر بيت من بحر الوافر، ولم يعز إلى قائل، وعجزه:
على فرتاج والطلل القديم ***...
والبيت من شواهد سيبويه وهو في الكتاب ٣/٣٤، وشرح أبيات سيبويه للنحاس (٢٩٢) اللسان (فرتج)، البحر المحيط ٦/ ٣٨٦، ورواية اللسان: ألم تسألي فتخبرك. الفرتاج: موضع في بلاد طيئ. والشاهد فيه نصب الفعل المضارع بعد الفاء لأنه جواب الاستفهام، ولأن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط جزاء..
٢٦ في ب: الهية، وهو تحريف..
٢٧ في ب: التي هي..
٢٨ هذه الأبيات من بحر الكامل، قالها جحدر بن مالك، في الخزانة ٧/٤٦٥ البيت الأول رواية عجزه: من ظن خالهما شعاع سواج. والشاهد فيها كما بينه ابن عادل أن قوله (فأكر) تصوير للحالة التي لابسها..
٢٩ البحر المحيط ٦/٣٨٦..
٣٠ التبيان ٢/٩٤٧..
٣١ الدر المصون: ٥/٨٠..
٣٢ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٣١٤..
٣٣ السوس: واد في جنوب المغرب ١٨٠ كم، ينبع في سفح طوبقال بالأطلس
الأعلى. المنجد في الأعلام (٣١٤)..
٣٤ تفسير ابن عطية ١٠/ ٣١٤ – ٣١٥..
٣٥ في الأصل: تراخى. وهو تحريف..
٣٦ وذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب في كل شيء بحسبه، نحو جاء زيد فعمرو، أي عقبه بلا مهلة، ويقال: تزوج فلان فولد له. إذ لم يكن بينهما إلا مدة الحمل. ودخلت البصرة فبغداد، إذ لم تقم في البصرة ولا بين البلدين. ومنه قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ المغني ١/ ١٦ – ١٦٢ الهمع ٢/١٣١..
٣٧ [الحج: ٥]..
٣٨ أيها: سقط من ب..
٣٩ [يوسف: ٤٥، ٤٦]..
٤٠ التبيان: ٢/ ٩٤٧..
٤١ تفسير ابن عطية ١٠/٣١٥، البحر المحيط ٦/٣٨٧..
٤٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/٦٣..
٤٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/٦٣..