التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده أتبعت ذلك ببيان أنه - سبحانه - قد جعل لكم أمة شرعة ومنهاجا، وأمرت النبى - ﷺ - أن يمضى فى طريقة لتبليغ رسالة الله - تعالى - دون أن يلتفت إلى ممارات المشركين له، وأن يفوض الحكم فيهم إليه - سبحانه - فهو العليم بكل شىء، فقال - تعالى - :﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا...﴾.
قال الآلوسى : قوله - تعالى - :﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ...﴾ كلام مستأنف جىء به لزجر معاصريه - ﷺ - من أهل الأديان السماوية عن منازعته، ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع، وإظهار خطئهم.
والمراد الأمة هنا : القوم الذين يدينون بشريعة معينة. والمراد بالمنسك المنهج والشريعة التى يتبعونها فى عقيدتهم وفى معاملاتهم...
أى : شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه فى اعتقادهم وفى طريقة حياتهم، فالأمة التى وجدت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - شريعتها التوراة، والأمة التى وجدت من بعث عيسى حتى مبعث محمد - صلى الله - شريعتها الأنجيل، والأمة التى وجدت منذ مبعث محمد - ﷺ إلى يوم القيامة شريعتها القرآن.
وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد - ﷺ - أن تتبعه فيما جاء به من عند ربه، لأن شريعته هى الشريعة الناسخة لما قبلها، والمهيمنة عليها.
ويرى بعضهم أن المراد بالمنسك هنا : المكان الذى يذبحون فيه ذبائحهم تقربا إلى الله - تعالى -.
وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وأصل المناسك فى كلام العرب : الموضع المعتاد الذى يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر. يقال : إن لفلان منسكا يعتاده، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وقد اختلف أهل التأويل فى معنى المنسك هنا، فقيل : عيد، وقيل : إراقة الدم... والصواب من القول فى ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى، لأن المناسك التى كان المشركون جادلوا فيها رسول الله - ﷺ - كانت إراقة الدم فى هذه الأيام... ولذلك قلنا : عنى بالمنسك فى هذا الموضع : الذبح..
ويبدو لنا أن القول الأول، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب إلى الصواب لشموله للذبح وغيره.
والضمير فى قوله :﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يعود لكل أمة.
أى : جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها، وتنهج على نهجها..
والفاء فى قوله - تعالى - :﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر﴾ لترتيب النهى على ما قبلها.
والمنازعة : المجادلة والمخاصمة. والمراد بالأمر : ما جاء به النبى - ﷺ - من عند ربه - تعالى - من تشريعات وأحكام.
أى : قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها، وما دام الأمر كذلك، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول الكريم - الشريعة التى أوحيناها إليك، وأمرناك باتباعها، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك فى ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم، ومهيمن عليها وناسخ لها.
ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال :﴿وادع إلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾.
أى : وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع والتخاصم، وإلى الدخول فى دين الإسلام : فإنك أنت على الصراط المستقيم، الذى لا اعوجاج فيه ولا التباس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى