فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله ﷺ من أهل الأديان عن منازعته فقال :﴿لكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ أي لكلّ قرن من القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، وجملة :﴿وَهُمْ نَاسِكُوهُ﴾ صفة ل﴿منسكاً﴾، والضمير لكل أمة، أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد ﷺ. والقرآن منسك المسلمين، والمنسك : مصدر لا اسم مكان كما يدلّ عليه :﴿هم ناسكوه﴾، ولم يقل : ناسكون فيه. وقيل : المنسك : موضع أداء الطاعة، وقيل : هو الذبائح، ولا وجه للتخصيص، ولا اعتبار بخصوص السبب، والفاء في قوله :﴿فَلاَ ينازعنك فِي الأمر﴾ لترتيب النهي على ما قبله، والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم، أي : قد عينا لكل أمة شريعة، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية، وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله ﷺ ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، والنهي إما على حقيقته، أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال الزجاج : إنه نهي له ﷺ عن منازعتهم، أي لا تنازعهم أنت، كما تقول لا يخاصمك فلان أي : لا تخاصمه، وكما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً، ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد : لا تضربه. وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية : فلا ينازعنك، أي فلا يجادلنك. قال : ودلّ على هذا ﴿وَإِن جادلوك﴾ وقرأ أبو مجلز :«فلا ينزعنك في الأمر » أي لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك. وقرأ الباقون :﴿ينازعنك﴾ من المنازعة ﴿وادع إلى رَبّكَ﴾ أي وادع هؤلاء المنازعين، أو ادع الناس على العموم إلى دين الله وتوحيده والإيمان به ﴿إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي طريق مستقيم لا اعوجاج فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال : يعني : هم ذابحوه ﴿فَلاَ ينازعنك فِي الأمر﴾ يعني : في أمر الذبح. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال :﴿فَلاَ ينازعنك فِي الأمر﴾ قول أهل الشرك : أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال : خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش : اكتب، قال : ما أكتب ؟ قال : علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي ﷺ :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماء والأرض﴾ يعني : ما في السماوات السبع والأرضين السبع. ﴿إِنَّ ذلك﴾ العلم ﴿فِي كتاب﴾ يعني : في اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلق السماوات والأرضين ﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ يعني : هين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿يكادون يَسْطُونَ﴾ يبطشون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى