غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال :﴿الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾ فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل. ههنا سؤالات : الأول أن " من " للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١] والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم. وثانيهما أنه قال في موضع آخر ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤] وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً. والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت ؟ والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿سخر لكم ما﴾ في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على أرض النفس بأن تتصف بصفاتها ﴿إلا بإذنه﴾ بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما ﴿وهو الذي أحياكم﴾ بازدواج الروح إلى القالب ﴿ثم يميتكم﴾ عن صفات البشرية ﴿ثم يحييكم﴾ بنور الصفات الرحمانية ﴿فلا ينازعنك﴾ في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها ﴿إن الذين يدعون من دون الله﴾ كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت ﴿ضعف الطالب﴾ وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان ﴿والمطلوب﴾ وهو النفس والشيطان ﴿اركعوا﴾ بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية : ومنهم من يمشي على أربع } [النور: ٤٥] ﴿واسجدوا﴾ بالنزول إلى مرتبة الحيوانية ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦] ﴿واعبدوا ربكم﴾ بجعل الطاعة خالصة له ﴿وافعلوا الخير﴾ بمراقبة الله في جميع أحوالكم ﴿لعلكم تفلحون﴾ بالوصال. ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده ﴿هو اجتباكم﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل :
فلولاكم ما عرفنا الهوى ***
وما جعل عليكم في دين العشاق. وهو السير إلى الله من ضيق " من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً " والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾
[الصافات: ٩٩] ﴿هو سماكم المسلمين﴾ في الأزل وهو في هذا الطور. وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم " أول ما خلق الله روحي " فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم. وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿فأقيموا الصلاة﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿وآتوا الزكاة﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿فنعم المولى﴾ في إفناء وجودكم ﴿ونعم النصير﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبدا إلى يوم الدين.
فلولاكم ما عرفنا الهوى ***
وما جعل عليكم في دين العشاق. وهو السير إلى الله من ضيق " من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً " والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾
[الصافات: ٩٩] ﴿هو سماكم المسلمين﴾ في الأزل وهو في هذا الطور. وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم " أول ما خلق الله روحي " فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم. وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿فأقيموا الصلاة﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿وآتوا الزكاة﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿فنعم المولى﴾ في إفناء وجودكم ﴿ونعم النصير﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبدا إلى يوم الدين.