الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على المصدرِ. وهو واضح. وقال أبو البقاء :" ويجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي : جهاداً حَقَّ جهادِه " وفيه نظر من حيث إنَّ هذا معرفةٌ فكيف يُجعل صفةً لنكرةِ ؟ قال الزمخشريُّ :" فإنْ قلتَ : ما وَجْهُ هذه الإِضافةِ، وكان القياسُ حَقَّ الجهادِ فيه، أو حَقَّ جهادِكم فيه. كما قال :﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ ؟ قلت : إلإِضافةُ تكون بأَدْنى ملابسةٍ واختصاصٍ، فلمَّا كان الجهادُ/ مختصاً بالله من حيث إنه مفعولٌ من أجلِه ولوجهِه صحَّتْ إضافتُه إليه. ويجوز أن يُتَّسَعَ في الظرف كقولِه :
ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْمى وعامِراً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني بالظرفِ الجارَّ والمجرورَ، كأنه كان الأصلُ : حَقَّ جهادٍ فيه، فحذف حرفَ الجرِّ وأُضيف المصدرُ للضميرِ، وهو من باب " هو حقُّ عالم وجِدُّ عالم " أي : عالِمٌّ حقاً وعالِمٌ جدَّاً.
قوله :﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ فيه أوجهٌ أحدُها : أنها منصوبةٌ ب " اتَّبِعوا " مضمراً قاله الحوفي، وتبعه أبو البقاء. الثاني : أنها على الاختصاصِ أي : أعني بالدين ملةَ أبيكم. الثالث : أنها منصوبةٌ بما تقدَّمها، كأنه قال : وَسَّع دينَكم تَوْسِعَةً ملَّةِ أبيكم، ثم حُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه. قاله الزمخشري. الرابع : أنه منصوبٌ ب " جَعَلها " مُقَدراً، قاله ابن عطية. الخامس : أنها منصوبةٌ على حَذْف كافِ الجرِّ أي كملَّةِ إبراهيمَ، قاله الفراء. وقال أبو البقاء قريباً منه. فإنه قال :" وقيل : تقديرُه : مثلَ ملةِ ؛ لأن المعنى : سَهَّل عليكم الدينَ مثلَ ملةِ أبيكم، فَحُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه ". وأَظْهَرُ هذه الثالثُ. و " إبراهيم " بدلٌ أو بيانٌ، أو منصوبٌ بأَعْني.
قوله :﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ في هذا الضميرِ قولان، أحدهما : أنه عائدٌ على " إبراهيم " فإنه أقربُ مذكورٍ. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ قال :" وفي هذه اللفظةِ يعني قولَه " وفي هذا " ضَعْفُ قَوْلِ مَنْ قال : الضمير لإِبراهيم. ولا يَتَوَجَّه إلاَّ بتقديرِ محذوفٍ من الكلامِ مستأنفٍ " انتهى. ومعنى " ضَعْف قولِ مَنْ قال بذلك " أنَّ قوله " وفي هذا " عطفٌ على " مِنْ قبلُ "، و " هذا " إشارةٌ إلى القرآن المشارَ إليه إنما نزل بعد إبراهيم بمُدَدٍ طِوالٍ ؛ فلذلك ضَعُفَ قولُه. وقوله :" إلاَّ بتقديرِ محذوفٍ " الذي ينبغي أَنْ يقدَّرَ : وسُمِّيْتُم في هذا القرآن المسلمين. وقال أبو البقاء :" قيل الضميرُ لإِبراهيم، فعلى هذا الوجهِ يكونُ قولُه " وفي هذا " أي : وفي هذا القرآن سببُ تسميتِهم ". والثاني : أنه عائدٌ على اللهِ تعالى ويَدُلُّ له قراءةُ أُبَيّ :" الله سَمَّاكم " بصريح الجلالةِ أي : سَمَّاكم في الكتبِ السالفةِ وفي هذا القرآنِ الكريمِ أيضاً.
قوله :﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ متعلقٌ بسَمَّاكم.
وقوله :﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ أي : اللهُ. وحَسَّن حذفَ المخصوصِ وقوعُ الثاني رأسَ آيةٍ وفاصلةٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى