روح البيان — إسماعيل حقي

عن الكتاب
وكانت العجوة خير أموال بنى النضير لانهم كانوا يقتاتوتها وفي الحديث (العجوة من الجنة وتمرها يغذى أحسن الغذاء) روى ان آدم عليه السلام نزل بالعجوة من الجنة وفي البخاري من تصبح كل يوم على سبع تمرات عجوة لم يصبه في ذلك اليوم سم ولا سحر وقد جاء فى العجوة العالية شفاء وانها ترياق أول البكرة وفي كلام بعضهم العجوة ضرب من التمر اكبر من الصيحاني تضرب الى السواد وهى مما غرسه النبي عليه السلام بيده الشريفة وقد علمت انها في نخل بنى النضير وعن ابن عباس رضى الله عنهما هبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء بالآسة وهى سيدة ريحان الدنيا والسنبلة وهى سيدة طعام الدنيا والعجوة وهى سيدة ثمار الدنيا وفي الحديث (ان العجوة من غرس الجنة وفيها شفاء وانها ترياق أول البكرة وعليكم بالتمر البرني فكلوه فانه يسبح في شجره ويستغفر لآكله وانه من خير تمركم وانه دوآء وليس بداء) وجاء بيت لا تمر فيه جياع أهله قال ذلك مرتين ولما قطعت العجوة شق النساء الجيوب وضربن الحدود ودعون بالويل كما في انسان العيون قال بعض أهل الاشارة يشير الى من قطع نخلة محبة الدنيا من ارض قلبه بأمر الله وحكمته المقتضية لذلك الأمر بالقطع وهم المحرمون المنقطعون عن الدنيا ومحبتها وشهواتها ولذاتها المتوجهون الى طريق السلوك الى الله بتزكية النفس وتصفية القلب وتخلية السر وتحلية الروح والى من ترك الدنيا في ارض قلبه قائمة على أصولها على حالها بإذن الله وحكمته البالغة المقتضية لا بقائها وهم الكاملون المكملون الواصلون المواصلون الذين ليس للدنيا ولا للآخرة عندهم قدر ومقدار ما زاغ نظر ظاهرهم ولا بصر باطنهم إليهما لاشتغالهم بذكر الله اى بذكر ذاته وصفاته وأسمائه كما قال في حقهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وليخزى الفاسقين الذين خرجوا من مقام المعرفة والعرفان وما عرفوا ان للحق عبادا ليس للدنيا والآخرة عندهم قدر ومقدار وما زاغ بصر ظاهرهم ولا نظر باطنهم إليهما وطعنوا فيهم بمحبة الدنيا ونسبوا إليهم حب الشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية فأخزاهم الله بشؤم هذا الطعن والله يشهد انهم لكاذبون (قال الحافظ)
پس تجربه كرديم درين دير مكافاتبا درد كشان هر كه در افتاد بر افتاد
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ شروع في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع وما موصولة مبتدأ وقوله فما او جفتم خبره ويجوز جعلها شرطية وقوله فما او جفتم جوابا والفيء في الأصل بمعنى الرجوع وأفاء أعاد وارجع فهو على اصل معناه هنا والمعنى ما أعاده اليه من مالهم اى جعله عائدا ففيه اشعار بأنه كان حقيقا بأن يكون له عليه السلام وانما وقع في أيديهم بغير حق فرجعه الله الى مستحقه لانه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق ليتوسلوا به الى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين وهو عليه السلام رأسهم ورئيسهم وبه أطاع من أطاع فكان أحق به فالعود على هذا بمعنى أن يتحول الشيء الى ما فارق عنه وهو الأشهر ويجوز أن يكون معناه صيره له فالعود على هذا بمعنى أن
يتحول الشيء الى ما فارق عنه وان لم يكن ذلك التحول مسبوقا بالحصول له والحمل هنا على هذا المعنى لا يحوج الى تكلف توجيه بخلاف الاول وكلمة على تؤيد الثاني وقال بعضهم أفاء الله مبنى على ان الفيء الغنيمة فمعنى أفاء الله على رسوله جعله فيئاله خاصة وقال الراغب الفيء والفيئة الرجوع الى حالة محمودة وقيل للغنيمة التي لا يلحق فيها مشقة فيئ قال بعضهم سمى ذلك بالفيء تشبيها بالفيء الذي هو الظل تنبيها على ان أشرف اعراض الدنيا يجرى مجرى ظل زائل والفئة الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم الى بعض فى التعاضد وقال المتطرزى في المغرب في الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل ان الغنيمة عن أبى عبيد ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس وسائرها بعد الخمس للغانمين خاصة والفيء ما نيل منهم بعد ما تضع الحرب أوزارها وتصير الدار
دار اسلام وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس والنفل ما بنفله الغازي اى يعطاه زائدا على سهمه وهو أن يقول الامام او الأمير من قتل قتيلا فله سلبه او قال للسرية ما أصبتم فلكم ربعه او نصفه ولا يخمس وعلى الامام الوفاء به وعن على بن عيسى الغنيمة أعم من النفل والفيء أعم من الغنيمة لانه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك قال أبو بكر الرازي فالغنيمة فيئ والجزية فيئ ومال اهل الصلح فيئ والخراج فيئ لان ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين وعند الفقهاء كل ما يحل أخذه من أموالهم فهو فيئ مِنْهُمْ اى بنى النضير فَما نافية أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ اى فما أجريتم على تحصيله وتغنمه من الوجيف وهو سرعة السير يقال أوجفت البعير أسرعته وفي القاموس الوجيف ضرب من سير الخيل والإبل وقيل اوجف فأعجف مِنْ خَيْلٍ من زائدة بعد النفي اى خيلا وهو جماعة الافراس لا واحد له او واحده خائل لانه يختال والجمع أخيال وخيول كما في القاموس وقال الراغب الخيلاء التكبر من تخيل فضيلة تترا أي للانسان من نفسه ومنها تتأول لفظة الخيل لما قيل انه لا يركب أحد فرسا إلا وجد فى نفسه نخوة والخيل في الأصل اسم للافراس والفرسان جميعا قال تعالى ومن رباط الخيل ويستعمل في كل واحد منهما منفردا نحو ما روى يا خيل الله اركبي فهذا للفرسان وقوله عليه السلام عفوت لكم عن صدقة الخيل يعنى الافراس انتهى والخيل نوعان عتيق وهجين فالعتيق ما أبوه عربيان سمى بذلك لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه بالأمور المنقصة وسميت الكعبة بالبيت العتيق لسلامتها من عيب الرق لانه لم يملكها ملك قط وإذا ربط الفرس العتيق في بيت لم يدخله شيطان والهجين الذي أبوه عربى وامه عجمية والفرق ان عظم البر ذونة أعظم من عظم الفرس وعظم الفرس أصلب وأثقل والبر ذونة احمل من الفرس والفرس أسرع منه والعتيق بمنزلة الغزال والبرذونة بمنزلة الشاة والفرس برى المنامات كبنى آدم ولا طحال له وهو مثل لسرعته وحركته كما يقال للبعير لامرارة له اى له جسارة وَلا رِكابٍ هى ما يركب من الإبل خاصة كما ان الراكب عندهم راكبها لا غير واما راكب الفرس فانهم يسمونه فارسا ولا واحد لها من لفظها وانما الواحدة منها
أكون قد هلكت قال وما ذاك قال اسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدى شيء فقال عبد الله ليس المراد بالشح الذي ذكر الله فى القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل وفسر الشح بغير ذلك وعن الحكيم الترمذي قدس سره الشح أضر من الفقر لان الفقير يتسع إذا وجد بخلاف الشحيح وعن أبى هريرة رضى الله عنه انه سمع رسول الله عليه السلام يقول لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد ابدا ولا يجتمع الشح والايمان في قلب عبد ابدا وقال عليه السلام من ادى الزكاة المفروضة وقرى الضيف واعطى في النائبة فقد برئ من الشح والشح أقبح البخل وقال عليه السلام اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فانه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم (قال الحافظ)
احوال كنج قارون كايام داد بر بادبا غنچهـ باز كويد تا زر نهان ندارد
(وقال المولى الجامى في ذم الخسيس الشحيح)
هر چند زند لاف كرم مرد درم دوستدر يوزه احسان زد را ونتوان كرد
ديرين مثلى هست كه از فضله حيواننارنج توان ساخت ولى بو نتوان كرد
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ هم الذين هاجروا بعد ما قوى الإسلام فالمراد جاؤا الى المدينة او التابعون بإحسان وهم الذين بعد الفريقين الى يوم القيامة ولذلك قيل ان الآية قد استوعبت جميع المؤمنين فالمراد حينئذ جاؤا الى فضاء الوجود وفي الحديث (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى اوله خير أم آخره يعنى در منفعت وراحت همچون باران بهارانند باران را ندانند كه أول آن بهترست يا آخر نفعى است عامر او عامه خلق را حال امت من همچنين است همان درويشان آخر الزمان آن شكستكان سر افكنده وهمين عزيزان وبزركواران صحابه همه برادرانند ودر مقام منفعت وراحت همه يكدست ويكسانند هم كالقطر حيث ما وقع نفع بر مثال بارانند ياران هر كجا كه رسد نفع رساند هم در بوستان هم در خارستان هم بريحان وهم بر أم غيلان همچنين اهل اسلام در راحت يكديكر ورأفت بر يكديكر يكسانند ويك نشانند يَقُولُونَ خبر للموصول والجملة مسوقة لمدحهم بمحبتهم لمن تقدمهم من المؤمنين ومراعاتهم لحقوق الآخرة في الدين والسبق بالايمان اى يدعون لهم قائلين رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ما فرط منا وَلِإِخْوانِنَا أي في الدين الذي هو أعز واشرف عندهم من النسب الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم
چوخواهى كه نامت بود جاودانمكن نام نيك بزركان نهان
قدموا أنفسهم في طلب المغفرة لما في المشهور من ان العبد لا بد أن يكون مغفورا له حتى يستجاب دعاؤه لغيره وفيه حكم بعدم قبول دعاء العاصين قبل أن يغفر لهم وليس كذلك كما دلت عليه الاخبار فلعل الوجه ان تقديم النفس كونها اقرب النفوس مع ان في الاستغفار إقرارا بالذنب فالاحسن للعبد أن يرى او لاذنب نفسه كذا في بعض التفاسير يقول الفقير
نفس المرء أقرب اليه من نفس غيره فكل جلب او دفع فهو انما يطلبه اولا لنفسه لاعطاء حق الأقدم واما غيره فهو بعده ومتأخر عنه وايضا ان ذنب نفسه مقطوع بالنسبة اليه واما ذنب غيره فمحتمل فلعل الله قد غفر له وهو لا يدرى وايضا تقديمهم في مثل هذا المقام لا يخلو عن سوء أدب وسوء ظن في حق السلف وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا اى حقدا وهو ذميمة فاحشة فورد المؤمن ليس بحقود يعنى كينه كش قال الراغب الغل والغلول تدرع الخيانة والعداوة لان الغلالة اسم ما يلبس بين الشعار والدثار وتستعار للدرع كما تستعار الدرع لها لِلَّذِينَ آمَنُوا على اطلاق صحابة او تابعين وفيه اشارة الى أن الحقد على غيرهم لائق لغيرة الدين وان لم يكن الحسد لائقا (قال الشيخ سعدى)
دلم خانه مهريارست وبساز ان مى نكنجد درو كين كس
رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ اى مبالغ في الرأفة والرحمة فحقيق بأن تجيب دعاءنا وفي الآية دليل على ان الترحم والاستغفار واجب على المؤمنين الآخرين للسابقين منهم لا سيما لآبائهم ولمعلمهم امور الدين قالت عائشة رضى الله عنها أمروا أن يستغفر والهم فسبوهم وفي الحديث (لا تذهب هذه الامة حتى يلعن آخرها أولها) وعن عطاء قال قال عليه السلام من حفظنى في أصحابي كنت له يوم القيامة حافظا ومن شتم أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فالرافضة والخوارج ونحوهم شر الخلائق خارجون من اقسام المؤمنين لان الله تعالى رتبهم على ثلاثة منازل المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من اقسامهم قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضى الله عنه وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم اعلام الدين وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة فلعل ذالك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة او الدنيا كما لا يخفى وقال في شرح الترغيب والترهيب المسمى بفتح القريب والحذر ثم الحذر من التعرض لما شجر بين الصحابة فانهم كلهم عدول خير القرون مجتهدون مصيبهم له أجران ومخطئهم له أجر واحد وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في فصل آفات اللسان الخوض في الباطل هو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال الوقاع ومجالس الخمور وتجبر الظلمة وحكاية مذاهب أهل الأهواء وكذا
حكاية ما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم
اى دل از من اگر بجويى پندرو باصحاب مصطفى دل بند
همه ايشان آمده ذيشانخواهشى كن شفاعتى زيشان
وقال بعض أهل الاشارة ربنا اغفر لنا اى استر ظلمة وجودنا بنور وجودك واستر وجودات إخواننا الذين سبقونا بالايمان وهم الروح والسر والقلب السابقون في السلوك من قرية النفس الى مدينة الروح المؤمنين بأن الفناء الوجودي الامكانى يستلزم الوجود الواجبى الحقانى ولا تجعل في قلوبنا شك الاثنينية والغيرية للذين آمنوا باخوانية المؤمنين لقوله تعالى انما المؤمنون اخوة انك رؤف بمن شاهد الكثرة قائمة بالوحدة رحيم بمن شاهد الوحدة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى