جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوَانِنا الّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَان مِنَ الأنصار. وعنى بالذين جاءوا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار.
وقوله :﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غَلاّ للّذِينَ آمَنُوا﴾يعني غمرا وضغنا. وقيل : عني بالذين جاءوا من بعدهم : الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : والّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ قال : الذين أسلموا نعتوا أيضا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال : والّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا وَلإخْوَانِنا حتى بلغ إنّكَ رَحِيمٌ إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ ﷺ ولم يؤمروا بسببهم.
وذُكر لنا أن غلاما لحاطب بن أبي بلتعة جاء نبيّ الله ﷺ فقال : يا نبيّ الله ليدخلنّ حاطب في حيّ النار، قال :«كذبت إنه شهد بدرا والحُديبية » وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر، فقال نبيّ الله ﷺ :«وَما يُدْريكَ يا عُمَرُ لَعَلّهُ قَدْ شَهِدَ مَشْهَدا اطّلَعَ اللّهُ فِيهِ إلى أهْلِهِ، فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إنُي قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبادي هَؤلاء، فَلْيَعْلَمُوا ما شاءُوا » فما زال بعضُنا منقبضا من أهل بدر، هائبا لهم، وكان عمر رضي الله عنه يقول : وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون، وهذا الحيّ من الأنصار، أحسن الله عليهم الثناء.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله :﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غلاّ لِلّذِينَ آمَنُوا﴾قال : لا تورث قلوبنا غلاً لأحد من أهل دينك.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ابن أبي ليلى، قال : كان الناس على ثلاث منازل : المهاجرون الأوّلون وَالّذِينَ اتّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ وَالّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوَانِنا الّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاّ لِلّذِينَ آمَنُوا رَبّنا إنّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، يقول جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا : لا تجعل في قلوبنا غلاً لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا.
قوله :﴿إنّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول : إنك ذو رأفة بخلقك، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ) من الأنصار. وعنى بالذين جاءا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار.
وقوله: (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا) يعني غمرا وضغنا.
وقيل: عني بالذين جاءوا من بعدهم: الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا) حتى بلغ (إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) إ نما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يؤمروا بسببهم.
وذكر لنا أن غلامًا لحاطب بن أَبي بلتعة جاء نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا نبيّ الله ليدخلن حاطب في حيّ النار، قال: "كذبت إنه شهد بدرًا والحُديبية" وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر، فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّه قَدْ شَهِدَ مَشْهَدًا اطَّلَعَ اللهُ فِيهِ إلَى أَهْلِهِ، فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إني قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبَادِي هَؤُلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شَاءُوا" فما زال بعضُنا منقبضا من أهل بدر، هائبًا لهم، وكان عمر رضي الله عنه يقول: وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون، وهذا الحيّ من الأنصار، أحسن الله عليهم الثناء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا) قال: لا تورث قلوبنا غلا لأحد من أهل دينك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ابن أَبي ليلى، قال: كان الناس على ثلاث منازل: المهاجرون الأوَّلون: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة.
وقوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل