محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٩ من سورة الحشر في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٩ من سورة الحشر

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره :﴿وَالّذِينَ تَبَوّءوا الدّارَ والإيمَانَ﴾يقول : اتخذوا المدينة مدينة الرسول ﷺ، فابتنوها منازل، وَالإيمَانَ بالله ورسوله ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾يعني : من قبل المهاجرين، ﴿يُحِبّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ : يحبون من ترك منزله، وانتقل إليهم من غيرهم، وعُنِي بذلك الأنصار يحبون المهاجرين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿وَالّذِينَ تَبَوّءوا الدّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾قال : الأنصار نعت. قال محمد بن عمرو : سفاطة أنفسهم. وقال الحارث : سخاوة أنفسهم عند ما روى عنهم من ذلك، وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَالّذِينَ تَبَوّءوا الدّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مِنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ يقول : مما أعطوا إخوانهم هذا الحيّ من الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابتنوا المساجد والمسجد، قبل قدوم النبيّ ﷺ، فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك وهاتان الطائفتان الأوّلتان من هذه الآية، أخذتا بفضلهما، ومضتا على مَهَلهما، وأثبت الله حظهما في الفيء.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله الله عزّ وجلّ : وَالّذِينَ تَبَوّءوا الدّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ قال : هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين.
وقوله :﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ يقول جلّ ثناؤه : ولا يجد الذين تبوّءوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدورهم حاجة، يعني حسدا مما أوتوا، يعني مما أوتي المهاجرين من الفيء، وذلك لما ذُكر لنا من أن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله ﷺ خاصة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه حدّث أنّ بني النضير خَلّوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت النضير لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنَيف وأبا دُجانة سِماك بن خَرَشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُتُوا﴾المهاجرون. قال، وتكلم في ذلك يعني أموالَ بني النضير بعضُ من تكلّم من الأنصار، فعاتبهم الله عزّ وجلّ في ذلك فقال :﴿وَما أفاءَ اللّهُ على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلَكِنّ اللّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قال : قال رسول الله ﷺ لهم :«إنّ إخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الأمْوَالَ والأولاد وَخَرَجُوا إلَيْكُمْ » فقالوا : أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ :«أوَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ » قالوا : وما ذلك يا رسول الله ؟ قال :«هُمْ قَوْمٌ لا يَعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونهُمْ وَتُقاسِمُونَهُمْ الثّمَرَ »، فقالوا : نعم يا رسول الله.
وبنحو الذي قلنا في قوله وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا سليمان أبو داود، قال : حدثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله :﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أوتُوا﴾قال : الحسد.
قال : ثنا عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن حاجَةً فِي صُدُورِهِمْ قال : حسدا في صدورهم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أبو رجاء عن الحسن، مثله.
وقوله :﴿ويؤثرون على أنْفُسِهِمْ﴾يقول تعالى ذكر : وهو يصف الأنصار الذين تبوّءُوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين، ﴿وَيُوءْثِرُونَ على أنْفُسِهمْ﴾يقول : ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارا لهم بها على أنفسهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾يقول : ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم. والخَصاصة مصدر، وهي أيضا اسم، وهو كلّ ما تخلّلته ببصرك كالكوّة والفرجة في الحائط، تجمع خَصاصات وخِصاص، كمال قال الراجز :
*** قَدْ عَلِمَ المَقاتِلاتُ هَجّا ***
*** والنّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْجا ***
*** لأَوْرِيَنْها دُلَجا أوْ مُنْجَا ***
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال : جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال :«ألا رجلٌ يضيفُ هذا رَحِمَهُ اللّهُ ؟ » فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته : أكرمي ضيفَ رسول الله ﷺ، نوّمي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه واتركيه لضيف رسول الله ﷺ ففعلت فنزلت :﴿وَيُوءْثِرُونَ على أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن فضيل، عن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عند إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته : نَوّمي الصّبْية وأطفئي المصباح، وقرّبي للضيف ما عندك، قال : فنزلت هذه الآية وَمَنْ يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ.
يقول تعالى ذكره : من وقاه الله شحّ نفسه فأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ المخلّدُونَ في الجنة. والشحّ في كلام العرب : البخل، ومنع الفضل من المال ومنه قول عمرو بن كلثوم :
تَرَى اللّحِزَ الشّحيحَ إذَا أُمِرّتْعَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيها مُهينا
يعني بالشحيح : البخيل، يقال : إنه لشحيح بين الشحّ والشحّ، وفيه شحة شديدة وشحاحة. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشحّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حقّ.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا المسعودي، عن أشعث، عن أبي الشعثاء، عن أبيه، قال : أتى رجل ابن مسعود فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال : وما ذاك ؟ قال : أسمع الله يقول : وَمَنْ يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال : ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلما، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.
حدثني يحيى بن إبراهيم، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن جامع، عن الأسود بن هلال قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية :﴿وَمَنْ يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾والله ما أعطي شيئا أستطيع منعه، قال : ليس ذلك بالشحّ، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك بغير حقه، ولكن ذلك البخل.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا : حدثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي الهياج الأسدي، قال : كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلاً يقول : اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال : إني إذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.
حدثني محمد بن إسحاق، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش، قال : حدثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال :«بريء مِنَ الشّحّ مَنْ أدّى الزّكاةَ، وَقَرَى الضّيْفَ، وأعْطَى في النّائِبَةِ ».
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا زياد بن يونس أبو سلامة، عن نافع بن عمر المكي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمر، قال : إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو. قال عبد الله بن صفوان ما هنّ أنبيك فيهنّ، قال : أخرج المال العظيم، فأخرجه ضرارا، ثم أقول : أقرض ربي هذه الليلة، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته، وإن نجوت من شأن عثمان، قال ابن صفوان : أما عثمان فقُتل يوم قُتل، وأنت تحبّ قتله وترضاه، فأنت ممن قتله وأما أنت فرجل لم يقك الله شحّ نفسك، قال : صدقت.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ :﴿وَمَنْ يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ﴾قال : من وقى شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئا، ولم يقربه، ولم يدعه الشحّ أن يحبس من الحلال شيئا، فهو من المفلحين، كما قال الله عزّ وجلّ.
وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿وَمَنْ يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ﴾قال : من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عزّ وجلّ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شحّ نفسه، فهو من المفلحين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) من قريظة جعلها لمهاجرة قريش.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، قالا كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)... إلى قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، خرجوا حبًا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدّة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله دثار غيرها.
وقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)، وقوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) موضع يبتغون نصب، لأنه في موضع الحال؛ وقوله: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يقول: وينصرون دين الله الذي بعث به رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم. وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) يقول: هؤلاء الذين وصف صفتهم من الفقراء المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾
يقول تعالى ذكره: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ) يقول: اتخذوا المدينة مدينة الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فابتنوها منازل، (وَالإيمَانَ) بالله ورسوله (مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني: من قبل المهاجرين، (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) : يحبون من ترك منزله، وانتقل إليهم من غيرهم، وعُنِي بذلك الأنصار يحبون المهاجرين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) قال: الأنصار نعت. قال محمد بن عمرو: سفاطة أنفسهم. وقال الحارث: سخاوة أنفسهم عندما روى عنهم من ذلك، وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يقول: مما أعطوا إخوانهم هذا الحيّ من الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابتنوا المساجد والمسجد، قبل قدوم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوّلتان من هذه الآية، أخذتا بفضلهما، ومضتا على مَهَلهما، وأثبت الله حظهما في الفيء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله الله عزّ وجلّ: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ) قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين.
وقوله: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يقول جلّ ثناؤه: ولا يجد الذين تبوّءوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدورهم حاجة، يعني
حسدا مما أوتوا، يعني مما أوتي المهاجرين من الفيء، وذلك لما ذُكر لنا من أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبي بكر، أنه حدّث أنّ بني النضير خَلَّوا الأموال لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فكانت النضير لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سمِاك بن خَرَشَة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) المهاجرون. قال: وتكلم في ذلك: (يعني أموال بني النضير) بعضُ من تكلمَّ من الأنصار، فعاتبهم الله عزّ وجلّ في ذلك فقال: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). قال، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لهم: "إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الأمْوَالَ وَالأولاد وَخَرَجُوا إلَيْكُمْ" فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أو غَيْرَ ذَلِكَ؟ " قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: "هُمْ قَوْمٌ لا يعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمْ الثَّمَر"، فقالوا: نعم يا رسول الله.
وبنحو الذي قلنا في قوله: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سليمان أَبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) قال: الحسد.
قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن (حَاجَةً فِي صُدُورِهِمْ) قال: حسدًا في صدورهم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن مثله.
وقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) يقول تعالى ذكره: وهو يصف الأنصار الذين تبوّءُوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم، (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، والخصاصة: مصدر، وهي أيضًا اسم، وهو كلّ ما تخلَّلته ببصرك كالكوة والفرجة في الحائط، تجمع خَصَاصَات وخِصَاص، كمال قال الراجز:
قَدْ عَلِمَ المَقَاتِلاتُ هَجَّا (١) والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْجا
لأورِيَنْهَا دُلَجا أوْ مُنْجَا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أَبي حازم، عن
(١) هذه ثلاثة أبيات من مشطور الرجز لم أجدها في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في اللسان. وليست على بينة من صحة بعض ألفاظها. والمؤلف استشهد بها في هذه الموضع على أن الخصاص جمع خصاصة. وفي (اللسان: الخصاص) : الفرج بين الأثافي والأصابع، وقالوا لخروق المصفاة والمنخل خصاص. وخصاص المنخل والباب والبرقع وغيره: خلله، واحدته: خصاصة (وكله بفتح الخاء).
أَبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: "ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نوّمي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ففعلت فنزلت (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن فضيل، عن غزوان، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، أن رجلا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نَوَّمِي الصِّبْيَة وأطفئي المصباح، وقرّبي للضيف ما عندك، قال: فنزلت هذه الآية (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شحّ نفسه (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المخلَّدون في الجنة. والشحّ في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال؛ ومعه قول عمرو بن كلثوم:
تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذَا أُمِرَّتْ عَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيهَا مُهِينًا (١)
يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إنه لشحيح بين الشحّ والشحّ، وفيه شحة شديدة وشحاحة. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشحّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حقّ.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا المسعودي، عن أشعث، عن أَبي الشعثاء، عن أبيه، قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: (وَمَنْ
(١) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي (انظره في شرحي الزوزني والتبريزي على المعلقات) واللحز: الضيق الصدر السيىء الخلق اللئيم. والشحيح: البخيل: الحريص. والجمع الأشحة والأشحاء، والفعل: شح يشح. والمصدر: الشح، وهو البخل معه حرص. يقول: ترى الإنسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لما له فيها، أي في شربها، إذا أمرت عليه الخمر، أي أديرت عليه. وقد استشهد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.
حدثني يحي بن إبراهيم، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن جامع، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) والله ما أعطي شيئًا أستطيع منعه، قال: ليس ذلك بالشحّ، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك بغير حقه، ولكن ذلك البخل.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جُبَير، عن أَبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال. إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئًا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.
حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "برئ مِنَ الشُّحِّ مَنْ أَدَّّى الزَّكَاةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأعْطَى في النَّائِبَةِ"
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا زياد بن يونس أبو سلامة، عن نافع بن عمر المكي، عن ابن أَبي مليكة، عن عبد الله بن عمر، قال: إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو. قال عبد الله بن صفوان ما هنّ أنبيك فيهنّ، قال: أخرج المال العظيم، فأخرجه ضرارًا، ثم أقول: أقرض ربي هذه الليلة، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته، وإن نجوت
من شأن عثمان، قال ابن صفوان: أما عثمان فقُتل يوم قُتل، وأنت تحبّ قتله وترضاه، فأنت ممن قتله؛ وأما أنت فرجل لم يقك الله شحّ نفسك، قال: صدقت.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) قال: من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشحّ أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال الله عزّ وجل.
وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) قال: من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله عزّ وجلّ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شحّ نفسه، فهو من المفلحين.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال تعالى مادحًا للأنصار، ومبينًا فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حَسَدهم، وإيثارهم مع الحاجة، فقال :﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. أي : سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم.
قال عمر : وأوصي الخليفة [ من ] (١) بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تَبوّءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو(٢) عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أيضًا(٣).
وقوله :﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أي : مِنْ كَرَمهم وشرف أنفسهم، يُحبّون المهاجرين(٤) ويواسونهم بأموالهم.
قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا حميد، عن أنس قال : قال المهاجرون : يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كَفَونا المَؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله ! قال :" لا ما أثنيتم عليهم ودَعَوتُمُ الله لهم " (٥).
لم أره في الكتب من هذا الوجه.
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال : دعا النبي ﷺ الأنصار أن يُقطع لهم البحرين، قالوا : لا إلا أن تُقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال :" إما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم [ بعدي ] (٦) أثرة ".
تفرد به البخاري من هذا الوجه(٧)
قال البخاري : حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال : لا. فقالوا : تكفونا المؤنَةَ ونَشرككُم في الثمرة ؟ قالوا : سمعنا وأطعنا. تفرد به دون مسلم(٨).
﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي : ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة.
قال : الحسن البصري :﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يعني : الحسد.
﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قال قتادة : يعني فيما أعطى إخوانهم. وكذا قال ابن زيد. ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أنس قال : كنا جُلوسًا مع رسول الله ﷺ فقال :" يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ". فطلع رجل من الأنصار تَنظُف(٩) لحيته من وضوئه، قد تَعَلَّق(١٠) نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل مقالته(١١) أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى(١٢) فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني (١٣) إليك حتى تمضي فعلتُ. قال : نعم. قال أنس : فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي(١٤) فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تَعارّ تقلب على فراشه، ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت : يا عبد الله، لم يكن بيني وبين أبي غَضَب ولا هَجْر(١٥) ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرَار(١٦) يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ". فطلعت أنت الثلاث المرار(١٧) فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملكَ فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير(١٨) عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسولُ الله ﷺ ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجدُ في نفسي لأحد من المسلمين غِشّا، ولا أحسدُ أحدًا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله : هذه التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق(١٩).
ورواه النسائي في اليوم والليلة، عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به (٢٠) وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري، عن رجل، عن أنس(٢١). فالله أعلم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله :﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يعني ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ المهاجرون. قال : وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم من الأنصار، فعاتبهم الله في ذلك، فقال :﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال : وقال رسول الله :" إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم ". فقالوا : أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول الله ﷺ :" أو غير ذلك ؟ ". قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال :" هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم(٢٢) الثمر ". فقالوا : نعم يا رسول الله(٢٣)
وقوله :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢٤) يعني : حاجة، أي : يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.
وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :" أفضلُ الصدقة جَهدُ المقلّ ". وهذا المقام أعلى من حال الذين وَصَف اللهُ بقوله :﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٢٥) [الإنسان: ٨]. وقوله :﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فإن هؤلاء يتصدقون وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصديق، رضي الله عنه، بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ :" ما أبقيت لأهلك ؟ ". فقال : أبقيت لهم الله ورسوله. وهذا(٢٦) الماء الذي عُرض(٢٧) على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوجَ ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثلث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.
وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فُضيل بن غَزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هُرَيرة قال : أتى رجل رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال النبي ﷺ :" ألا رجل يُضَيّفُ هذا الليلة، رحمه الله ؟ ". فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته : ضَيفُ رسول الله ﷺ لا تَدّخريه شيئًا. فقالت : والله ما عندي إلا قوتُ الصبية. قال : فإذا أراد الصبيةُ العَشَاء فنوّميهم وتعالى فأطفئي السراج ونَطوي بطوننا الليلة. ففعلَت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ، فقال :" لقد عجب الله، عز وجل - أو : ضحك - من فلان وفلانة ". وأنزل الله عز وجل :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢٨).
وكذا رواه البخاري في موضع آخر، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن فضيل بن غزوان، به نحوه(٢٩). وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة، رضي الله عنه.
وقوله :﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي : من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح.
قال أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء، عن عُبَيد الله بن مِقْسَم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال :" إياكم والظلّم، فإن الظُّلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشُحَّ، فإن الشّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سَفَكُوا دماءهم واستَحلُّوا محارمهم ".
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن القَعْنَبِيّ، عن داود بن قيس، به(٣٠).
وقال الأعمش وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ :" اتقوا الظُّلْم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفُحْش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التَّفَحُّشَ، وإياكم والشُّحَّ ؛ فإنه أهلكَ من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ".
ورواه أحمد وأبو داود من طريق شعبة، والنسائي من طريق الأعمش، كلاهما عن عمرو بن مُرّة، به (٣١).
وقال الليث، عن يزيد [ بن الهاد ](٣٢) عن سُهَيل بن أبي صالح، عن صفوان بن أبي يزيد، عن القعقاع بن اللجلاج(٣٣) عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :" لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخانُ جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا " (٣٤).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا المسعودي، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال : جاء رجل إلى عبد الله فقال : يا أبا عبد الرحمن، إني أخاف أن أكون قد هلكت فقال له عبد الله : وما ذاك ؟ قال : سمعت الله يقول :﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح، لا أكاد أن أخرج من يدي شيئًا ! فقال عبد الله : ليس ذلك(٣٥) بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذلك(٣٦) البخل، وبئس الشيء البخل " (٣٧)
وقال سفيان الثوري، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي قال : كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول : اللهم قني شح نفسي ". لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال : إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل "، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، رواه ابن جرير(٣٨)
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل ابن عَيّاش، حدثنا مُجَمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال :" بَريء من الشح مَن أدى الزكاة، وقَرَى الضيف، وأعطى في النائبة " (٣٩).
١ - (١) زيادة من أ..
٢ - (١) في م: "وأن يعفى"..
٣ - (٢) صحيح البخاري برقم (٤٨٨٨)..
٤ - (٣) في أ: "يحبون من هاجر إليهم"..
٥ -(٤) المسند (٣/٢٠٠)..
٦ - (٥) زيادة من صحيح البخاري..
٧ - (٦) صحيح البخاري برقم (٣٧٩٤)..
٨ - (٧) صحيح البخاري برقم (٢٣٢٥)..
٩ - (٨) في م: "ينفض"..
١٠ -(٩) في م: "قد علق"..
١١ - (١٠) في م:: مثل حاله"..
١٢ -(١) في م: "الأول"..
١٣ - (٢) في أ: "أن توريني"..
١٤ - (٣) في م: "الليالي الثلاث"..
١٥ -(٤) في م، أ: "ولا هجرة"..
١٦ - (٥) في م: "مرات"..
١٧ - (٦) في م: "المرات"..
١٨ - (٧) في م: "كبير"..
١٩ - (٨) في م: "لا نطيق"، وفي أ: "لا تطيق"..
٢٠ - (٩) المسند (٣/١٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٩٩)..
٢١ - (١٠) انظر: تحفة الأشراف للمزي (١/٣٩٥) وكلام الحافظ بن حجر في النكت الظراف بهامشه..
٢٢ - (١١) في م: "ويقاسمونكم"..
٢٣ - (١٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٨)..
٢٤ - (١٣) ذكر في "م" بقية الآية..
٢٥ - (١) في أ: "حبه مسكينًا"..
٢٦ - (٢) في م: "وهكذا"..
٢٧ - (٣) في م: "اعرضوه"..
٢٨ -(٤) صحيح البخاري برقم (٤٨٨٩)..
٢٩ - (٥) صحيح البخاري برقم (٣٧٩٨) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٢)..
٣٠ - (٦) المسند (٣/٣٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٨)..
٣١ - (١) المسند (٢/١٥٩) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٣)..
٣٢ -(٢) زيادة من م، أ..
٣٣ -(٣) في م: "الجلاح"..
٣٤ - (٤) رواه النسائي في السنن (٦/١٣)..
٣٥ - (٥) في م: "ليس ذاك"..
٣٦ - (٦) في م: "ذاك"..
٣٧ - (٧) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٩) من طريق جامع به..
٣٨ - (٨) تفسير الطبري (٢٨/٢٩)..
٣٩ - (٩) تفسير الطبري (٢٨/٢٩) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به، وروي مرسلاً، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/١٨٨) من طريق عمرو بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل، وابن حبان في الثقات (٤/٢٠٢) من طريق ابن المبارك، كلهم عن مجمع ابن يحيى، عن عمه مرسلاً..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وتبوأوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلا ومرجعا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئا شيئا فشيئا، وينمو قليلا قليلا، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان.
الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وهذا لمحبتهم لله ولرسوله، أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه.
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي : لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها.
ويدل ذلك على أن المهاجرين، أفضل من الأنصار، لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة.
وقوله :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي : ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة، لأنها من خصال البخل والشح، ومن رزق الإيثار فقد وقي شح نفسه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته، فهذان(١)  الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين(٢).
١ - كذا في ب، وفي أ: فهؤلاء..
٢ - كذا في ب، وفي أ: المؤمنين..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وذلك لأنهم ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وعادوهما وحاربوهما، وسعوا في معصيتهما.
وهذه عادته وسنته فيمن شاقه ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
ولما لام بنو النضير رسول الله ﷺ والمسلمين في قطع النخيل والأشجار، وزعموا أن ذلك من الفساد، وتوصلوا بذلك (١) إلى الطعن بالمسلمين، أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه إن أبقوه، إنه بإذنه تعالى، وأمره ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ حيث سلطكم على قطع نخلهم، وتحريقها، ليكون ذلك نكالا لهم، وخزيا في الدنيا، وذلا يعرف به عجزهم التام، الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم، الذي هو مادة قوتهم. واللينة: اسم يشمل سائر النخيل على أصح الاحتمالات وأولاها، فهذه حال بني النضير، وكيف عاقبهم الله في الدنيا.
ثم ذكر من انتقلت إليه أموالهم وأمتعتهم، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من أهل هذه القرية، وهم بنو النضير.
﴿فـ﴾ إنكم يا معشر المسلمين ﴿ما أَوْجَفْتُمْ﴾ أي: ما أجلبتم وأسرعتم وحشدتم، ﴿عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي: لم تتعبوا بتحصيلها، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فأتتكم صفوا عفوا، ولهذا. قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من تمام قدرته أنه لا يمتنع منه (٢) ممتنع، ولا يتعزز من دونه قوي. وتعريف الفيء في اصطلاح الفقهاء: هو ما أخذ من مال الكفار بحق، من غير قتال، كهذا المال الذي فروا وتركوه خوفا من المسلمين، وسمي فيئا، لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له، إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه.
وحكمه العام، كما ذكره الله في قوله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ عموما، سواء أفاء الله في وقت رسوله أو بعده، لمن يتولى من بعده أمته (٣).
﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهذه الآية نظير الآية التي في سورة الأنفال، في (٤) قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾
فهذا الفيء يقسم خمسة أقسام:
خمس لله ولرسوله يصرف في مصالح المسلمين [العامة]، وخمس لذوي القربى، وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، حيث كانوا يسوى [فيه] بين، ذكورهم وإناثهم، وإنما دخل بنو المطلب في خمس الخمس، مع بني هاشم، ولم يدخل بقية بني عبد مناف، لأنهم شاركوا بني هاشم في دخولهم الشعب، حين تعاقدت قريش على هجرهم وعداوتهم (٥) فنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف غيرهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، في بني عبد المطلب: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام"
وخمس لفقراء اليتامى، وهم: من لا أب له ولم يبلغ، وخمس للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، وهم الغرباء -[٨٥١]- المنقطع بهم في غير أوطانهم.
وإنما قدر الله هذا التقدير، وحصر الفيء في هؤلاء المعينين لـ ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ أي: مداولة واختصاصا ﴿بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ فإنه لو لم يقدره، لتداولته الأغنياء الأقوياء، ولما حصل لغيرهم من العاجزين منه شيء، وفي ذلك من الفساد، ما لا يعلمه إلا الله، كما أن في اتباع أمر الله وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، ولذلك أمر الله بالقاعدة الكلية والأصل العام، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله، ثم أمر بتقواه التي بها عمارة القلوب والأرواح [والدنيا والآخرة]، وبها السعادة الدائمة والفوز العظيم، وبإضاعتها الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على من ترك التقوى، وآثر اتباع الهوى.
{٨} ثم ذكر تعالى الحكمة والسبب الموجب لجعله تعالى الأموال أموال الفيء لمن قدرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مستحقون لأن تجعل لهم، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار والأوطان والأحباب والخلان والأموال، رغبة في الله ونصرة لدين الله، ومحبة لرسول الله، فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة والعبادات الشاقة، بخلاف من ادعى الإيمان وهو لم يصدقه بالجهاد والهجرة وغيرهما من العبادات، وبين أنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله طوعا ومحبة واختيارا، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوأوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلا ومرجعا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئا شيئا فشيئا، وينمو قليلا قليلا حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان.
الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وهذا لمحبتهم لله ولرسوله، أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه.
﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها.
ويدل ذلك على أن المهاجرين، أفضل من الأنصار، لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة.
وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة، لأنها من خصال البخل والشح، ومن رزق الإيثار فقد وقي شح نفسه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته، فهذان (٦) الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين (٧).
(١) كذا في ب، وفي أ: به.
(٢) في ب: عليه
(٣) في ب: سواء كان في وقت الرسول أو بعده على من تولى من بعده من أمته.
(٤) في ب: وهي.
(٥) كذا في ب، وفي أ: حين تعاقد على هجرهم قريش وعداوتهم.
(٦) كذا في ب، وفي أ: فهؤلاء.
(٧) كذا في ب، وفي أ: المؤمنين.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
تَبَوَّؤُوا الدَّارَ
اسْتَوْطَنُوا المَدِينَةَ.
حَاجَةً
حَسَدًا.
مِّمَّا أُوتُوا
مِمَّا أُعْطُوا مِنْ مَالِ الفَيْءِ وَغَيْرِهِ.
خَصَاصَةٌ
حَاجَةٌ، وَفَقْرٌ.
يُوقَ
يُكْفَ وَيُجَنَّبْ.
شُحَّ نَفْسِهِ
الشُّحُّ: بُخْلٌ بِالمَالِ مَعَ حِرْصٍ عَلَيْهِ، وَتَطَلُّعٍ لِمَا بِيَدِ غَيْرِهِ.

إعراب الآية ٩ من سورة الحشر

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٨]

لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ قيل: هو بدل ممن قد تقدّم ذكره بإعادة الحرف مثل لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: ٣٢] لمن آمن منهم، وقيل: التقدير كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم لكي يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أي أخرجهم المشركون. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً في موضع نصب على الحال، وكذا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ مبتدأ وخبره..

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٩]

وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)
الَّذِينَ في موضع خفض أي للذين، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ أي انتقل إليهم وإذا كان الذين في موضع خفض كان يحبّون في موضع نصب على الحال أو مقطوعا مما قبله وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا معطوف عليه، وكذا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ أي فاقة إلى ما اثروا به. وكلّ كوّة أو خلل في حائط فهو خصاصة. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ «١» جزم بالشرط فلذلك حذفت الألف منه، ولا يجوز إثباتها إذا كان شرطا عند البصريين، ويجوز عند الكوفيين وشبّهوه بقول الشاعر:
٤٧٤-
ألم يأتيك والأنباء تنمي
«٢» والفرق بين ذا والأول أن الألف لا تتحرك في حال والياء والواو قد يتحرّكان وهذا فرق بيّن ولكن الكوفيين خلطوا حروف المدّ واللين فجعلوا حكمها حكما واحدا، وتجاوزوا ذلك من ضرورة الشعر إلى أن أجازوه في كتاب الله جلّ وعزّ، وحملوا قراءة حمزة لا تخف دركا ولا تخشى [طه: ٧٧] عليه في أحد أقوالهم. وأهل التفسير على أنّ الشحّ أخذ المال بغير الحقّ، وقد ذكرنا أقوالهم. والمعروف في كلام العرب أن الشّحّ أزيد من البخل، وأنه يقال: شحّ فلان يشحّ إذا اشتدّ بخله ومنع فضل المال، كما قال: [الوافر] ٤٧٥-
ترى اللّحز الشّحيح إذا أمرّتعليه لماله فيها مهينا
«٣»
(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٦ (قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «شحّ» بكسر الشين، والجمهور بإسكان الواو وتخفيف القاف، وضمّ الشين).
(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٩٩).
(٣) الشاهد لعمرو بن كلثوم في ديوانه ٦٥، ولسان العرب (سخن) وخزانة الأدب ٣/ ١٧٨، وشرح ديوان امرئ القيس ٣٢٠، وشرح القصائد السبع ٣٧٣، وشرح القصائد العشر ٣٢٢، وشرح المعلقات السبع ١٦٦، وتاج العروس (سخن)، وبلا نسبة في لسان العرب (لحز)، ومقاييس اللغة ٥/ ٢٣٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٩ من سورة الحشر

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...﴾ الآية. [٩].
روى جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم: أن الأنصار قالوا: يا رسول الله، اقسم بيننا وبين إخواننا من المهاجرين الأرض نصفين. قال: لا، ولكنهم يَكفونكم المَؤُونة، وتقاسمونهم الثمرة؛ والأرضُ أرضُكم. قالوا: رضينا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ..﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. [٩].
أخبرنا سعيد بن أحمد بن جعفر المؤذن [قال:] أخبرنا أبو علي الفقيه، أخبرنا محمد بن منصور بن أبي الجهم السَّبيعي، حدَّثنا نصر بن علي الجهْضَميّ، حدَّثنا عبد الله بن داود، عن فُضَيْل بن غَزْوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى رجل من الأنصار رجلاً من أهل الصفة، فذهب به الأنصاري إلى أهله، فقال للمرأة: هل من شيء؟ قالت: لا، إلا قوت الصِّبْيَة. قال: فَنَوِّميهم، فإذا ناموا فأتيني [به]، فإذا وضعت فأطفئي السراج قال: ففعلت، وجعل الأنصاري يقدم إلى ضيفه ما بين يديه، ثم غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد عجب من فعالكما أهل السماء. ونزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. رواه البخاري عن مُسَدَّد، عن عبد الله بن داود؛ ورواه مسلم عن أبي كُرَيب، عن وكيع؛ كلاهما عن فَضَيل بن غَزْوان.
أخبرنا أبو عبد الله بن إسحاق المُزَكِّي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله السليطي حدَّثنا أبو العباس بن عيسى بن محمد المَرْوَزي، حدَّثنا المستجير بن الصَّلْت، حدَّثنا القاسم بن لحكم العُرَني، حدَّثنا عبيد الله بن الوليد، عن مُحَارِب بن دِثَار، عن عبد الله بن عمر، قال:
أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسُ شاة، فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوجُ إلى هذا منا. فبعثَ به إليه، فلم يزل يَبعثُ به واحدٌ إلى آخَرَ حتى تداولها سبعة أهلُ أبيات، حتى رجعتْ إلى الأول، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية.

القراءات في الآية ٩ من سورة الحشر

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِلَيْهِمْ

(إِلَيْهُمْ) بضم الهاء واسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(إِلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩ أقوال
١
قال ابن وهب: وسمعت الليث بن سعد قال: الشح: ترك الفرائض، وانتهاك المحارم، وا[...] المال١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ٢‏/‏١٥٨ (٣٢٦)، وما بين المعقوفين كذا ورد فيه.
٢
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، قال: مَن لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله عز وجل عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ على أن يمنع شيئًا مِن شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شُحّ نفسه، فهو من المفلحين١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٣١.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٢٢-٥٣١) غير قول ابن زيد، وقول ابن مسعود. وبيّن ابنُ تيمية (٦/٢٧٢-٢٧٤): «أنّ الشُّح: هو شدة حرص النفس، وقوة الرغبة في المال، وبغضٌ للغير، وظلم له، وأنه أعمّ من البُخل، فكل شحيح بخيل، وليس كل بخيل شحيحًا». وانتقد قولَ مَن سوّى بينهما. وذكر ابنُ عطية (٨/٢٦٨) أنّ «شُحّ النفس» هو: كثرة منْعها، وضبطها على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل. ثم بيّن أنّ هذا جِماع شُحّ النفس، وأنه داعية كلّ خُلُقٍ سُوء، وساق الحديث الوارد في الآثار المتعلقة بالآية عن أنس، ثم علَّق قائلًا: «واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا، وعلى هذا التأويل كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف ويقول: اللهم، قِني شُحّ نفسي. لا يزيد على ذلك، فقيل له في ذلك فقال: إذا وُقيته لم أفعل سوءًا». وساق بعد ذلك قول ابن زيد.
٣
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «خلَق الله جنة عَدن، وخلَق أشجارها بيده، ثم قال لها: انطقي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال الله: وعزّتي وجلالي، لا يجاورني فيكِ بخيل». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة ص٥٦-٥٧ (٢٠) بنحوه مطولًا، من طريق محمد بن زياد الكلبي، عن بشر بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس به. وأخرجه الحاكم ٢‏/‏٤٢٦ (٣٤٨٠) بدون ذكر الآية الثانية، من طريق علي بن عاصم، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «بل ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٤٤٣ (١٢٨٣)، ٣‏/‏٤٤٥ (١٢٨٥): «ضعيف».
٤
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الشّعثاء- أنّ رجلًا قال له: إني أخاف أنْ أكون قد هَلكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، وأنا رجل شحيح، لا يَكاد يَخرج مِنِّي شيء. فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشُّح، ولكنه البُخل، ولا خير في البُخل، وإنّ الشُّح الذي ذكره الله في القرآن: أن تأكل مال أخيك ظلمًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٩‏/‏٩٨، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٩-٥٣٠، والطبراني (٩٠٦٠)، والحاكم ٢‏/‏٤٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٤١)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٩٨-. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
٥
عن عبد الله بن هبيرة، أن عبد الله بن عمرو قال: أيهما أشد: البخل، أو الشح؟ ، فاختلفوا، فقال عبد الله بن عمرو: الشُّح أشدُّ مِن البُخل؛ لأنّ الشحيح يَشِحّ على ما في يديه، فيَحبِسه، ويَشِحّ على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإنّ البخيل إنما يَبخل بما في يديه١
التخريج
  1. ١أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٥٣).
٦
عن عبد الله بن عمر، في قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، قال: ليس الشُّح أن يمنع الرجلُ مالَه، ولكنه البخل، وإنه لَشرّ، إنما الشّح أن تَطمَحَ١ عينُ الرجل إلى ما ليس له٢
التخريج
  1. ١طمح بصره: امتد وعلا. النهاية (طمح).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
٧
عن سعيد بن جُبَير، في قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، قال: إدخال الحرام، ومَنع الزكاة١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٦٩-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
عن طاووس بن كيسان، قال: البُخل: أن يَبخل الإنسان بما في يديه. والشُّح: أن يَشِحّ على ما في أيدي الناس١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يعني: ومَن يقيه الله حِرص نفسَه، يعني: الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء لإخوانهم؛ ﴿فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فقد ذهب صنفان؛ المهاجرون والأنصار، وبقي صنف واحد؛ وهم التابعون، الذين دخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٨٠.

آثار متعلقة بالآية

١٧ قولًا
١
عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كان الفقرُ في قلبه فلا يُغنيه ما أُكْثِر له في الدنيا، وإنما يضرّ نفسَه شُحُّها»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٢‏/‏١٥٤ (١٦٤٣)، والشجري في ترتيب الأمالي الخميسية ٢‏/‏٢٨١-٢٨٢ (٢٤٤٩)، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن جده، عن نعيم بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، عن أبي زينب مولى حازم الغفاري، عن أبي ذرٍّ به. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٣٧ (١٧٧٤٩): «فيه مَن لم أعرفه».
٢
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودُخان نار جهنم في جوف عبدٍ أبدًا، ولا يَجتمع الشُّحُّ والإيمان في قلب عبدٍ أبدًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٢‏/‏٤٥٠ (٧٤٨٠)، ١٤‏/‏١٨٣-١٨٤ (٨٤٧٩)، ١٤‏/‏٢٠٢-٢٠٣ (٨٥١٢)، ١٥‏/‏٤٣٣ (٩٦٩٣)، والنسائي ٦‏/‏١٣ (٣١١٠، ٣١١١، ٣١١٢)، ٦‏/‏١٤ (٣١١٤، ٣١١٥)، وابن حبان ٨‏/‏٤٣ (٣٢٥١)، والحاكم ٢‏/‏٨٢ (٢٣٩٤، ٢٣٩٥). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وأورده الدارقطني في العلل ٨‏/‏٣٢٩ (١٦٠١). وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٥‏/‏٢٧٠١ (٦٢٩١): «رواه عبد الله بن خراش، عن عمه، عن العوام بن حوشب، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وعبد الله هذا قال البخاري: منكر الحديث». وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص١١٦١: «أخرجه النسائي، وفي إسناده اختلاف».
٣
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «شرّ ما في رجلٍ شُحٌّ هالِع، وجُبْنٌ خالِع»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٣‏/‏٣٨٥ (٨٠١٠)، ١٤‏/‏١٥ (٨٢٦٣)، وأبو داود ٤‏/‏١٦٥ (٢٥١١)، وابن حبان ٨‏/‏٤٢ (٣٢٥٠). قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٤‏/‏٨٩: «قال ابن طاهر: إسناده متصل». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٧٧: «إسناده جيد». وقال في فيض القدير ٤‏/‏١٦٠ (٤٨٨١): «قال ابن حاتم: إسناده متصل. وقال الزين العراقي: إسناده جيد». وقال العجلوني في كشف الخفاء ٢‏/‏٦ (١٥٣٤): «سند جيد». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧‏/‏٢٧٢ (٢٢٦٨): «إسناده صحيح».
٤
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم والشُّحَّ والبُخلَ؛ فإنه دعا مَن قبلكم إلى أن يَقطَعوا أرحامهم، فقَطعوها، ودعاهم إلى أن يَستحلّوا محارمهم، فاستَحلّوها، ودعاهم إلى أن يَسفِكوا دماءهم، فسَفكوها»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الشعب ١٣‏/‏٢٨٣-٢٨٤ (١٠٣٣٩)، والخطيب في البخلاء ص٤٠-٤١ (٣)، وأخرجه أحمد ١٥‏/‏٣٤٩-٣٥٠ (٩٥٦٩، ٩٥٧٠) بنحوه. وسنده صحيح.
٥
عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظّلم؛ فإنّ الظُّلم ظُلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّح؛ فإنّ الشُّح أهلَكَ مَن كان قبلكم، حمَلهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏١٩٩٦ (٢٥٧٨) واللفظ له، والثعلبي ٩‏/‏٢٨١.
٦
عن جابر بن عبد الله، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث مَن كُنّ فيه فقد برئ من الشُّح: مَن أدّى زكاةَ ماله، وقَرى الضيف، وأعطى في النوائب»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الصغير ١‏/‏٩٤ (١٢٦)، من طريق زكريا بن يحيى الوقار، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر به. قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٦٨ (٤٣٦٣): «فيه زكريا بن يحيى الوقار، وهو ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٤‏/‏٤٢٢ (١٩٥٢): «ضعيف».
٧
عن أنس، عن رسول الله ﷺ، قال: «برئ مِن الشُّحِّ مَن أدّى الزكاة، وقَرى الضيف، وأعطى في النائبة»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الشعب ١٣‏/‏٢٨٩ (١٠٣٤٨)، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٣٠-٥٣١، من طريق إسماعيل بن عياش، عن مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه، عن أنس بن مالك به. وأخرجه الثعلبي ٩‏/‏٢٨٠ -٢٨١، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن عديّة الأنصاري، عن عمّه عمر بن جارية، عن أنس بن مالك به. قال الألباني في الضعيفة ٤‏/‏٢٠٠ (١٧٠٩) عن رواية الثعلبي: «وهذا إسناد غريب».
٨
عن خالد بن يزيد بن جارية، قال: قال رسول الله ﷺ: «برئ من الشُّح مَن أدّى الزكاة، وقَرى الضيف، وأدّى في النائبة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٤‏/‏١٨٨ (٤٠٩٦، ٤٠٩٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٢‏/‏٩٤٨ (٢٤٥٠، ٢٤٥١). قال ابن حبان في الثقات ٤‏/‏٢٠٢ (٢٤٩٨): «مُرْسل». وقال ابن حجر في الإصابة ٢‏/‏٢٠١ (٢١٧٠) في ترجمة خالد بن زيد بن حارثة، ويقال: ابن يزيد بن حارثة الأنصاري: «إسناده حسن، لكن ذكره البخاري وابن حبان في التابعين». وقال المناوي في التيسير ١‏/‏٤٣٢: «إسناد حسن كما في الإصابة، لكن قيل: إنّ خالدًا تابعي». وقال الألباني في الضعيفة ٤‏/‏٤٢١ (١٩٥٢): «ضعيف».
٩
عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهم، إنّي أعوذ بك مِن شُحِّ نفسي، وإسرافها، ووسواسها»١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٩‏/‏٢٨١، من طريق أبان، عن أنس. وسنده شديد الضعف؛ فيه أبان، وهو أبان بن أبي عياش، متروك كما في التقريب (١٤٢).
١٠
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما مَحَق الإسلامَ مَحْق الشُّح شيءٌ قطّ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى في مسنده ٦‏/‏٢٠٩ (٣٤٨٨) واللفظ له، والطبراني في الأوسط ٣‏/‏١٧٥ (٢٨٤٣)، من طريق عمرو بن حصين، عن علي بن أبي سارة، عن ثابت البُناني، عن أنس به. قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٠٢ (٣٧٦): «فيه علي بن أبي سارة، وهو ضعيف». وقال أيضًا ١٠‏/‏٢٤٢-٢٤٣ (١٧٧٨٢): «فيه عمرو بن الحصين، وهو مُجمَع على ضعفه». وقال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٤٤١ (١٢٨١): «موضوع».
١١
عن عبد الله بن جَراد، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ابتغيتم المعروفَ فابْتَغوه في حِسان الوجوه، فواللهِ، لا يَلِجُ النارَ إلا بخيل، ولا يَلِج الجنةَ شحيحٌ، إنّ السَّخاء شجرةٌ في الجنة تُسمّى: السَّخاء، وإنّ الشُّح شجرة في النار تُسمّى: الشُّحُّ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عدي في الكامل ١‏/‏٣٨٢-٣٨٣ بنحوه، والبيهقي في الشعب ١٣‏/‏٣٠٨ (١٠٣٧٦)، من طريق يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد به. قال البيهقي: «هذا إسناد ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏١٠٧١ (٦٩٧١): «موضوع».
١٢
عن علي بن أبي طالب، قال: مَن أدّى زكاةَ ماله فقد وُقِي شُحّ نفسه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٣
عن عبد الرحمن بن عوف -من طريق أبي الهَيّاج الأَسَدي- أنه كان يطوف بالبيت يقول: اللهم، قِني شُحّ نفسي. لا يزيد على ذلك، فقيل له، فقال: إذا وُقيتُ شُحّ نفسي لا أسرق، ولا أزني، ولا أفعل شيئًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٣٠، وابن عساكر ٣٥‏/‏٢٩٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٤
عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ: «للمدينة عشرةُ أسماء: هي المدينة، وهي طَيبة، وطابة، ومسكينة، وجابرة، ومَجبورة، ويَندَد، ويَثْرب، والدار»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الزبير بن بكار في أخبار المدينة.
١٥
عن عبد الله بن أبي بكر -من طريق محمد بن إسحاق-: أنه حدّث أنّ بني النَّضِير خَلَّوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت النَّضِير لرسول الله ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقَسمها رسول الله ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٦.
١٦
عن عمر بن الخطاب -من طريق عمرو بن ميمون الأَوْدي- أنه قال: أُوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوّلين؛ أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حُرمتهم. وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان مِن قبل أن يُهاجر النبي ﷺ؛ أن يَقبل مِن مُحسنهم، ويعفو عن مُسيئهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٤‏/‏٥٧٤-٥٧٨، والبخاري (٤٨٨٨) مطولًا، والنسائي في الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ١٠‏/‏٢٩٤ (١١٥١٧). وزاد عند ذكر المهاجرين قول الله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ [الحشر:٨]. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٧
عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنسًا رضي الله عنه، قال: دعا النبيُّ ﷺ الأنصارَ ليكتب لهم بالبحرين، فقالوا: لا، واللهِ، حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها. فقال: «ذاك لهم ما شاء الله على ذلك». يقولون له، قال: «فإنكم ستَرَوْن بعدي أثَرةً، فاصبروا حتى تلقَوْني على الحوض»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤/ ٩٨ (٣١٦٣)، والبغوي ٨‏/‏٧٧.

نزول الآية

٧ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم النَّضِير للأنصار: «إن شئتم قَسمتم للمهاجرين مِن أموالكم ودياركم، وتُشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانتْ لكم دياركم وأموالكم، ولم يُقسِم لكم شيءٌ مِن الغنيمة». فقالت الأنصار: بل نَقسم لهم مِن أموالنا وديارنا، ونُؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها. فأنزل الله عز وجل: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٩‏/‏٢٨٠، والبغوي ٨‏/‏٧٧.
٢
عن أبي هريرة، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْد. فأرسلَ إلى نسائه، فلم يجد عندهنَّ شيئًا، فقال: «ألا رجل يُضيِّف هذا الليلة، رحمه الله». فقال رجل من الأنصار -وفي رواية: فقال أبو طلحة الأنصاري-: أنا يا رسول الله. فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته: أكرِمي ضيفَ رسول الله ﷺ؛ لا تدّخرين شيئًا. قالت: واللهِ، ما عندي إلا قُوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصِّبية العَشاءَ فنَوِّمِيهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونَطْوي بطوننا الليلة لِضيف رسول الله ﷺ. ففعلتْ، ثم غدا الضيفُ على النبي ﷺ، فقال: «لقد عَجِب اللهُ الليلةَ مِن فلان وفلانة». وأنزل الله فيهما: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏٣٤ (٣٧٩٨)، ٦‏/‏١٤٨-١٤٩ (٤٨٨٩)، ومسلم ٣‏/‏١٦٢٤-١٦٢٥ (٢٠٥٤)، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٨، والثعلبي ٩‏/‏٢٧٩.
٣
عن أبي هريرة -من طريق أبي حازم-: أنّ رجلًا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قُوته وقُوت صبيانه، فقال لامرأته: نَوِّمي الصبية، وأطفئي السراج، وقَرِّبي للضيفِ ما عندك. قال: فنَزَلَتْ هذه الآية: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٣‏/‏١٢٩٣ (٢٠٥٤).
٤
عن عبد الله بن عمر -من طريق مُحارِب- قال: أُهدي لرجل مِن أصحاب رسول الله ﷺ رأسَ شاةٍ، فقال: إنّ أخي فلانًا وعياله أحوجُ إلى هذا مِنّا. فبَعث به إليهم، فلم يزل يَبعث به واحدٌ إلى آخر، حتى تداولها أهلُ سبعة أبيات حتى رجعتْ إلى الأول؛ فنَزَلَتْ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ خَصاصَةٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٤٨٣-٤٨٤، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٧٩). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وصححه الحاكم.
٥
قال أنس بن مالك: أُهدي لبعض الصحابة رأسُ شاةٍ مشوي، وكان مَجهودًا، فوجّه به إلى جارٍ له، فتداولته سبعةُ أنفُس في سبعة أبيات، حتى عاد إلى الأول؛ فأنزل الله سبحانه: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٢٧٩.
٦
عن أبي المتوكّل الناجي: أنّ رجلًا مِن المسلمين عبَرَ صائمًا ثلاثة أيام، يُمسي فلا يجد ما يُفطر، فيصبح صائمًا، حتى فَطِن له رجلٌ مِن الأنصار يُقال له: ثابت بن قيس. فقال لأهله: إني أجيء الليلة بضيفٍ لي، فإذا وضعتم طعامَكم فليَقُم بعضكم إلى السّراج كأنه يُصلحه فليُطْفئه، ثم اضربوا بأيديكم إلى الطعام كأنكم تأكلون، فلا تأكلوا حتى يَشبع ضيفُنا. فلمّا أمسى ذهب به، فوضَعوا طعامهم، فقامت امرأته إلى السّراج كأنها تُصلحه، فأطفَأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، حتى شَبع ضَيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خُبزة، هي قُوتهم، فلما أصبح ثابتٌ غدا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «يا ثابت، لقد عَجِب اللهُ البارحةَ منكم ومن صَنيعكم». فنَزَلَتْ فيه هذه الآية: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب قرى الضيف (١١)، ومسدد في مسنده -كما في المطالب العالية (٤١٤٥)-، وابن المنذر -كما في فتح الباري ٨‏/‏٦٣٢-. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٦٩-.
٧
عن يزيد بن الأصمّ، أنّ الأنصار قالوا: يا رسول الله، اقسِم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين. قال: «لا، ولكن يَكفُونكم المُؤنة، ويُقاسمونكم الثّمرة، والأرض أرضكم». قالوا: رَضينا. فأنزل الله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

تفسير الآية

٩ أقوال
١
قال الحسن البصري -من طريق المبارك-: ﴿ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ فاقة١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٦٥٣-.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ يقول: لا تضيق، ﴿ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يعني: الفاقة، فآثروا المهاجرين بالفيء على أنفسهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٨٠.
٣
عن مقاتل [بن حيان]، في قوله: ﴿ولَوْ كانَ خَصاصَةٌ﴾، قال: فاقة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٤
عن عبد الله بن عباس: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ هم الأنصار، ذَكر الذين قَسم لهم مِن الخير، ونَعَتَ سَفاطَةَ١ أنفسهم عندما زَوى عنهم فَيْء النَّضِير، وآثرتهم المهاجرين على أنفسهم، فجعل فَيْء النَّضِير لقريش لم يَشْرَكْهُم فيه أحدٌ مِن الأنصار إلا رجلان: أبو دُجانة الساعدي، وسهل بن حُنَيْف٢
التخريج
  1. ١يقال: هو سَفِيطُ النفس، أي: سَخِيُّها طيِّبها. لسان العرب (سفط).
  2. ٢أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ١‏/‏٨٦ (١٩٣).
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، قال: الأنصار، نعَتَ سخاوة أنفسهم عندما زُوِي١ من ذلك، وإيثارهم إياهم، ولم يُصب الأنصار من ذلك الفيء شيء٢
التخريج
  1. ١كذا في تفسير مجاهد، أي: صرف ونحى عنهم. ينظر: النهاية (زوي). وجاء في المصادر الأخرى بلفظ: رئي، رأى.
  2. ٢تفسير مجاهد ص٦٥٢، وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦
عن الحسن البصري -من طريق أبي رجاء- قال: فُضِّل المهاجرون على الأنصار، فلم يَجدوا ﴿فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً﴾، قال: الحسد١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق -كما في فتح الباري ٨‏/‏٦٣٢-، وابن أبي شيبة ٩‏/‏٩٤، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٧ بنحوه، وعبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٣٣٧-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ساق ابنُ عطية (٨/٢٦٦) قول الحسن، ثم علَّق بقوله: «وتعمّ بعد جميع الوجوه التي هي بخلاف ما فعله النبي ﷺ في إعطاء المهاجرين أموال بني النَّضِير والقُرى».
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحيُّ مِن الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابْتَنَوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ بسنتين، وأحسن اللهُ عليهم الثناءَ في ذلك، وهاتان الطائفتان الأُولَتان من هذه الأُمة أخذتا بفضلهما، ومضَتا على مَهْلهما، وأثبتَ الله حظَّهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ إلى آخر الآية. قال: إنما أُمِرُوا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، ولم يُؤمروا بسبّهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر الأنصار، فأثنى عليهم حين طابتْ أنفسُهم عن الفيء، إذ جعل المهاجرين دونهم، فقال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ يعني: أوطنوا دار المدينة مِن قبل هجرة المؤمنين إليهم بسنين، ثم قال: ﴿و﴾تبؤوا ﴿الإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قبل هجرة المهاجرين، ثم قال للأنصار: ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ مِن المؤمنين، ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ يعني: قلوبهم ﴿حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ يعني: مما أعطى إخوانهم المهاجرين من الفيء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٧٩.
٩
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله عز وجل: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال: هؤلاء الأنصار، ﴿يُحبّون مَن هاجر إليهم﴾ من المهاجرين، ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ المهاجرون، قال: وتكلّم في ذلك -يعني: أموال بني النَّضِير- بعضُ مَن تكلّم من الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل في ذلك، فقال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: قال رسول الله ﷺ لهم: «إنّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم». فقالوا: أموالنا بينهم قطائع. فقال رسول الله ﷺ: «أوَغير ذلك؟». قالوا: وما ذلك، يا رسول الله؟ قال: «هم قومٌ لا يعرفون العمل فتَكفُونهم، وتُقاسمونهم الثّمر». فقالوا: نعم، يا رسول الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٢٦.
التفسير بالمأثور لسورة الحشر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٩ من سورة الحشر

٣٤ وقفةً في هذه الآية

  • "يحبون من هاجر إليهم "لله درهم لم يسألوا عن قبائلهم ولا ألوانهم ولا أموالهم ولا قراباتهم ولا أواطانهم أحبوهم لأنهم هاجروا فحسب

    — عبدالله بلقاسم

  • "يحبون من هاجر إليهم" مع أن المهاجرين فقراء حاجتهم للطعام والمأوى أشد من غيرها لكن نص على الحب لذاتهم لأن الحب والله أعلم أعظم حاجاتنا.

    — ابو حمزة الكناني

  • ما أعظمَ سلامةَ الصَّدْر! وصَف اللهُ بها الأنصارَ فقال: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة﴾ وذكرها في التابعين لهم بإحسان ﴿ولا تجعل في قلوبنا غِلّاً﴾.

    — روائع القرآن

  • [ ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ] النفوس الكريمة لا تعرف الشح حتى لو كانت يدها خالية فالعطاء من جبلتها

    — غير معروف

  • "ويؤثرون على أنفسهم" لولا أن الله شهد لهم بذلك ، ما صدقت أن أحدا يؤثر أحدا على نفسه

    — عبدالله بلقاسم

  • رغم ظروفهم الصعبة.. ﴿ يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ ! المحن تُظهر معادن الناس

    — نايف الفيصل

  • "ولو كان بهم خصاصة "يمنحون البسمة ، وقلوبهم تذوي حزنا.

    — عبدالله بلقاسم

  • "كل حزب (بما لديهم) فرحون" اقتصروا بالفرح على أفكارهم وآرائهم ولم يفرحوا بالحق إن كان مع غيرهم." "يحبون (من) هاجر إليهم" أحبوا كل مؤمن هاجر إليهم لم يشترطوا أن يكونوا كلهم مثل أبي بكر أو عمر.. لا تفرض شروطًا صعبة لتحب إخوانك...

    — عبدالله بلقاسم

  • "قال سعد بن أبي وقاص : الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة: ١- (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا) (الحشر:٨) هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت. ٢- (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (الحشر:٩)، وهؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت. ٣- (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا)، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. "

    — ابن تيمية

  • مَن ملك نفسَه، وقهَرَها، ودانها، عزَّ بذلك؛ لأنه انتصر على أشدِّ أعدائه! (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

    — ابن رجب

  • سئل أبو الحسن البوشنجي عن الفتوَّة -أي: الرجولة التي يتفاخر بها بعض الناس-؟ فقال: الفتوَّة عندي في آية من كتاب الله، وخبر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فالآية قوله تعالى: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، والخبر: «لا يؤمن العبدُ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فمن اجتمعتا فيه، فله الفتوَّة.

    — البيهقي

  • (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) أحسن ما قيل فيه: لا يحسدون إخوانهم على فضل ما أعطاهم الله.

    — ابن كثير

و٢٢ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٩ من سورة الحشر

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٩ من سورة الحشر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(9) And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.[1656] They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
[1656]- Before the settlement of the emigrants (Muhājireen) among the Anṣār, for whom a share is delegated as well.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال