التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال :﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾.
والجملة الكريمة معطوفة على ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ أو مبتدأ وخبره :﴿يُحِبُّونَ﴾ والتبوؤ : النزول فى المكان، ومنه المباءة للمنزل الذى ينزل فيه الإنسان.
والمراد بالدار : المدينة المنورة، وأل للعهد. أى : الدار المعهودة المعروفة وهى دار الهجرة.
وقوله :﴿والإيمان﴾ منصوب بفعل مقدر، أى : وأخلصوا الإيمان.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار، ولا يقال : تبوأوا الإيمان ؟
قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان. كقوله : علفتها تبنا وماء باردا.
أى : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم، لتمكنهم منه، واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك.
أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام التعريف فى الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه..
أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإيمان - بالإيمان..
وقوله :﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أى : من قبل المهاجرين، وهو متعلق بقوله ﴿تَبَوَّءُوا﴾.
وقوله :﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ خبر لمبتدأ، أو حال من الذين تبوأوا الدار.
أى : هذه هى صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم.
.. وهذا هو جزاؤهم.
أما الذين سكنوا دار الهجرة وهى المدينة المنورة، من قبل المهاجرين، وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله - تعالى-، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا شديدا، لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة. وقوله :﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ صفة أخرى من صفات الأنصار.
ومعنى :﴿يَجِدُونَ﴾ هنا : يحسون ويعلمون، والضمير للأنصار، وفى قوله ﴿أُوتُواْ﴾ للمهاجرين. والحاجة فى الأصل : اسم مصدر بمعنى الاحتياج، أى الافتقار إلى الشىء.
والمراد بها هنا : المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبى - ﷺ - للمهاجرين دون الأنصار، من فىء أو غيره.
أى : أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء مما أعطى للمهاجرين من الفىء أو غيره، لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى - ﷺ - المهاجرين وحدهم...
ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال :﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ...﴾.
والإيثار معناه : أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه، على سبيل الإكرام والنفع، والخصاصة : شدة الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات.
أى : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، ولو كانوا فى حاجة ماسة، وفقر واضح، إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين.
ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا المضمار، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال : " أتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال : يا رسول الله، أصابنى الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا، فقال - ﷺ - : " ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله " ؟ فقام رجل من الأنصار - وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال : أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته : أكرمى ضيف رسول الله - ﷺ - قالت : والله ما عندى إلا قوت الصيبة ! ! قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالى فأطفئى السراج، ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - ﷺ - ففعلت.
ثم غدا الضيف على رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ - : " لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة " وأنزل الله فيهما :﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ...﴾. "
وقوله - سبحانه - :﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ تذييل قصد به حض الناس على التحلى بفضيلة السخاء والكرم.
والشح : يرى بعضهم أنه بمعنى البخل، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى النفس تحملها على الإمساك والتقتير، وأما البخل فهو المنع ذاته، فكأن البخل أثر من آثار الشح.
قال صاحب الكشاف : " الشح " - بالضم والكسر قد قرئ بهما - : اللؤم، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر :
يمارس نفسا بين جنبيه كَزَّةً... إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلا
وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله - تعالى - :﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح..﴾ أى : ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك، فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير. فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون، الفائزون برضا الله - عز وجل -.
ومن الأحاديث التى وردت فى النهى عن الشح، ما أخرجه مسلم - فى صحيحه - عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال : " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى