الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار﴾ : هم الأنصار رضي اللَّه عن جميعهم، والضمير في ﴿مِن قَبْلِهِمُ﴾ للمهاجرين، و﴿الدار﴾ هي المدينة، والمعنى : تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى :﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ فتأمله، قال ( ص ) :﴿والإيمان﴾ منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي : واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف الجمل ؛ كقوله :
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ***
انتهى. وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم.
( ت ) : وروى الترمذيُّ عن أنس قال :" لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ؛ لَقَدْ كَفَوْنَا المَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" لاَ مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ " قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، انتهى، و( الحاجة ) : الحسد في هذا الموضع ؛ قاله الحسن، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهاً، وقال الثعلبيُّ :﴿حَاجَةً﴾ أي : حَزَازَةً، وقيل : حسداً ﴿مِّمَّا أُوتُواْ﴾ أي : مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى.
وقوله تعالى :﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ : صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، " أَنَّها نزلت بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه ﷺ ؛ إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين ؛ فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول اللَّه ﷺ قال له :«لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ » " ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن » : الرجل الأنصاريُّ الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذيُّ الحكيم في كتاب «ختم الأولياء » له : حدثنا أبي قال : حدثنا عبد اللَّه بن عاصم : حدثنا الجمانيُّ : حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال : قال رسول اللَّه ﷺ :" إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ ؛ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ " انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ :" قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي : ما حَدُّ الزهد عندكم ؟ فقلت : إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا "، فقال :" هكذا عندنا كلابُ بلخ ! فقلت له : فما هو عندكم ؟ ! فقال : إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا "، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآيةِ أَنَّ النبي ﷺ، لَمَّا فَتَحَ هذه الْقُرَى قَالَ لِلاٌّنْصَارِ :«إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ ؛ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هذه الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ، فَقَالُوا : بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ »، فنزلت الآية، و( الخصاصة ) : الفاقَةُ والحاجةُ، و( شُحُّ النفس ) : هو كثرةَ طَمَعِهَا. وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل ؛ هذا جماع شُحِّ النفس. وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول اللَّه ﷺ :«مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ فَقَدْ بَرِئ من الشُّحِّ »، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال ( ع ) : وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به ؛ و﴿يُوقَ﴾ مِنْ وقى يَقِي، وقال الفخر : اعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى :﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون﴾ أي : الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد : من لم يأخذ شيئاً نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئاً أمره اللَّه تعالى بإعطائه فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه، انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى