زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، فقال تعالى :﴿وَالَّذِينَ تبوؤوا الدَّارِ﴾ يعني : دار الهجرة، وهي المدينة ﴿وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فيها تقديم وتأخير، تقديره : والذين تبوؤوا الدار من قبلهم، أي : من قبل المهاجرين، والإيمان عطف على ﴿الدار﴾ في الظاهر، لا في المعنى، لأن ﴿الإيمان﴾ ليس بمكان يُتبوأ، وإنما تقديره : وآثروا الإيمان، وإسلام المهاجرين قبل الأنصار، وسكنى الأنصار المدينة قبل المهاجرين. وقيل : الكلام على ظاهره، والمعنى : تبوؤوا الدار والإيمان قبل الهجرة ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم، وأموالهم ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ أي : حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون.
وفيما أوتوه : قولان :
أحدهما : مال الفيء، قاله الحسن. وقد ذكرنا آنفا أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر.
والثاني : الفضل والتقدم، ذكره الماوردي.
قوله تعالى :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بأموالهم ومنازلهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي فقر وحاجة، فبين الله عز وجل أن إيثارهم لم يكن عن غنى. وفي سبب نزول هذا الكلام قولان :
أحدهما : أن رجلا أتى رسول الله ﷺ، وقد أصابه الجهد، فقال : يا رسول الله : إني جائع فأطعمني، فبعث رسول الله ﷺ إلى أزواجه :( هل عندكن شيء ؟ ) فكلهن قلن : والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء، فقال : ما عند رسول الله ﷺ ما يطعمك هذه الليلة. ثم قال :( من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله ؟ ) فقام رجل فقال : أنا يا رسول الله، فأتى به منزله، فقال لأهله : هذا ضيف رسول الله ﷺ، فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا، فقالت : ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال : قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا، ثم أصبحي سراجك، فإذا أخذ الضيف ليأكل، فقومي كأنك تصلحين السراج، فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله ﷺ حتى يشبع، ففعلت ذلك، فظن الضيف أنهما يأكلان معه، فشبع هو، وباتا طاويين، فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله ﷺ، فلما نظر إليهم تبسم، ثم قال :( ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما )، فأنزل الله تعالى :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولو كان بهم خصاصة. . .﴾ الآية. خرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، وفي بعض الألفاظ عن أبي هريرة : أن الضيف كان من أهل الصُّفّة، والمضيف كان من الأنصار، وأن النبي ﷺ قال :( لقد عجب من فعالكما أهل السماء ).
والثاني : أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أُهدي له رأس شاة، فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى واحد حتى تناولها سبعة أهل أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر. وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال : أُهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي، وكان مجهودا، فوجّه به إلى جار له فتناوله تسعة أنفس، ثم عاد إلى الأول، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى :﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وقرأ ابن السميفع، وأبو رجاء، ﴿ومن يوق﴾ بتشديد القاف. قال المفسرون : هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه، ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه. والمعنى : أن الأنصار ممن وُقِي شح نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيء للمهاجرين.
فصل : وقد اختلف العلماء في الشح والبخل، هل بينهما فرق، أم لا ؟ فقال ابن جرير : الشح في كلام العرب : هو منع الفضل من المال. وقال أبو سليمان الخطابي : الشح أبلغ في المنع من البخل، وإنما الشح بمنزلة الجنس، والبخل بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال في البخل : إنما هو في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة، وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال : البخل : أن يضن بماله، والشح : أن يبخل بماله ومعروفه. وقد روى أبو الشعثاء أن رجلا أتى ابن مسعود فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال : وما ذاك ؟ قال : أسمع الله يقول :﴿ومن يوق شح نفسه﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يديّ شيء، فقال : ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن، الشح : أن تأكل مال أخيك ظلما، إنما ذلك البخل، وبئس الشيء البخل وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال :( برئ من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى