السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
ولما ذكر حال المؤمنين اتبعهم بذكر حال المنافقين فقال تعالى :﴿ألم تر﴾ أي : تعلم علماً هو في غاية الجزم كالمشاهدة يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف العالي بأداة الانتهاء فقال تعالى :﴿إلى الذين نافقوا﴾ أي : أظهروا غير ما أضمروا وبالغوا في إخفاء عقائدهم، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، قالوا : والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من الضب في نافقائه وقاصعائه وصور حالهم بقوله تعالى :﴿يقولون لإخوانهم الذين كفروا﴾ أي : غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق ﴿من أهل الكتاب﴾ وهم اليهود من بني قريظة والنضير. والأخوان هم الأخوة، وهي هنا تحتمل وجوهاً :
أحدها : الأخوة في الآخرة لأنّ اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وثانيها : الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة.
وثالثها : الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا لليهود :﴿لئن أخرجتم﴾ أي : من مخرجّ ما من المدينة ﴿لنخرجن معكم﴾ أي : منها ﴿ولا نطيع فيكم﴾ أي في خذلانكم ﴿أحداً﴾ أي يريد خذلانكم من الرسول والمؤمنين. وأكدوا بقولهم :﴿أبداً﴾ أي : ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم يستحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب ﴿وإن قوتلتم﴾ أي : من أي مقاتل كان يقاتلكم ولم تخرجوا ﴿لننصرنكم﴾ أي : لنعيننكم ولنقاتلنّ معكم.
ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه بين حاله سبحانه بقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : يقولون ذلك والحال أنّ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يشهد إنهم﴾ أي : المنافقين ﴿لكاذبون﴾ أي : فيما قالوا ووعدوا، وهذا من أعظم دلائل النبوّة لأنه إخبار بغيب بعيد عن العادة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى