فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين، ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا﴾ والخطاب لرسول الله، أو لكل من يصلح له، والذين نافقوا هم عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وجملة ﴿يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ مستأنفة لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة على الاستمرار، وجعلهم إخواناً لهم لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر، واللام في ﴿لإخوانهم﴾ هي لام التبليغ، وقيل : هو من قول بني النضير لبني قريظة، والأوّل أولى ؛ لأن بني النضير وبني قريظة هم يهود، والمنافقون غيرهم.
واللام في قوله :﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ هي الموطئة للقسم : أي والله لئن أخرجتم من دياركم ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ هذا جواب القسم : أي لنخرجن من ديارنا في صحبتكم ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ﴾ أي في شأنكم، ومن أجلكم ﴿أَحَدًا﴾ ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم وإن طال الزمان، وهو معنى قوله :﴿أَبَدًا﴾. ثم لما وعدوهم بالخروج معهم وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا :﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ على عدوّكم. ثم كذبهم سبحانه فقال :﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ فيما وعدوهم به من الخروج معهم والنصرة لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا﴾ قال : عبد الله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل وأوس بن قيظي، وإخوانهم بنو النضير. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عنه أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكفّ عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلاّ الحلقة، ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله :﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ قال : هم المشركون. وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها شيء فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت فقتلها ودفنها، فجاءوه فأخذوه فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله :﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر﴾ الآية. قلت : وهذا لا يدلّ على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدلّ على أنه من جملة من تصدق عليه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما يدلّ على أنه المقصود بالآية. وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله :﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ قال : ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبيّ ﷺ، ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى