فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبيّن عدم استوائهم في شيء من الأشياء ذكر تعظيم كتابه الكريم، وأخبر عن جلالته، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب وترقّ له الأفئدة، فقال :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله﴾ أي من شأنه وعظمته وجودة ألفاظه وقوّة مبانيه وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة وشدّة الصلابة وضخامة الجرم خاشعاً متصدعاً : أي متشققاً من خشية الله سبحانه حذراً من عقابه وخوفاً من أن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وهذا تمثيل وتخييل يقتضي علوّ شأن القرآن وقوّة تأثيره في القلوب ويدلّ على هذا قوله :﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ وينزجروا بالزواجر، وفيه توبيخ وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، والخاشع : الذليل المتواضع. وقيل : الخطاب للنبيّ ﷺ : أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت ولتصدّع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له وقوّيناك عليه، فيكون على هذا من باب الامتنان على النبيّ ﷺ لأن الله سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ﴾ قال : يقول : لو إني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدّع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع. قال : كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون. وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعليّ مرفوعاً في قوله :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ﴾ إلى آخر السورة قال : هي رقية الصداع. رواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهما. وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال : قرأت على خلف، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على حمزة فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على الأعمش ثم ساق الإسناد مسلسلاً هكذا إلى ابن مسعود فقال : فإني قرأت على النبيّ ﷺ، فلما بلغت هذه الآية قال لي :«ضع يدك على رأسك، فإن جبريل لما نزل بها قال لي : ضع يدك على رأسك، فإنها شفاء من كلّ داء إلاّ السام»، والسام : الموت. قال الذهبي : هو باطل. وأخرجه ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس، أن رسول الله ﷺ أمر رجلاً إذا آوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر وقال :«إن متّ متّ شهيداً». وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«من تعوّذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، ثم قرأ آخر سورة الحشر بعث الله سبعين ملكاً يطردون عنه شياطين الإنس والجنّ إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي». وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه، والطبراني وابن الضريس والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار عن النبيّ ﷺ قال :«من قال حين يصبح ثلاث مرّات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة». قال الترمذي بعد إخراجه : غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. وأخرج ابن عديّ وابن مردويه والخطيب والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار، فمات من يومه أو ليلته أوجب الله له الجنة». وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ قال : السرّ والعلانية. وفي قوله :﴿المؤمن﴾ قال : المؤمِّن خلقه من أن يظلمهم، وفي قوله :﴿المهيمن﴾ قال : الشاهد.