محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢١ من سورة الحشر في ٩٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٧ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢١ من سورة الحشر

٩٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هََذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾.
وقوله : لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَل لرأيْتَهُ خاشِعا مُتَصَدّعا مِن خَشْيَةِ اللّهِ يقول جلّ ثناؤه :﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾، وهو حجر، لرأيته يا محمد خاشعا يقول : متذللاً، متصدعا من خشية الله على قساوته، حذرا من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌ، وعنه، عما فيه من العِبَر والذكر، مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وَقْرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لرأيْتَهُ خاشِعا مُتَصَدّعا مِن خَشْيَةِ اللّهِ. . . إلى قوله : لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾قال : يقول : لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله عز وجل الناس إذا نزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال :﴿كذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَال للنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَل لرأيْتَهُ خاشِعا مُتَصَدّعا مِن خَشْيَةِ اللّهِ. . .﴾الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدا قطّ تصدّعت جوانحه من خشية الله ؟.
﴿وَتِلكَ الأمْثالُ نَضْرُبها للنّاسِ﴾يقول تعالى ذكره : وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيما لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها.
وقوله :﴿لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾يقول : يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
امتنع تقديم الآخر، ويدل على الرفع إذا سهل تقديم الآخر.
وقوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ووحدوه، اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.
وقوله: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) يقول: ولينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال، أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه؟.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) : ما زال ربكم يقرّب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) يعني يوم القيامة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) يعني يوم القيامة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، وقرأ قول الله عزّ وجلّ (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) يعني يوم القيامة الخير والشرّ؛ قال: والأمس في الدنيا، وغدٌ في الآخرة، وقرأ (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ) قال: كأن لم تكن في الدنيا.
وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) يقول: وخافوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرّها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ

فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) }
يقول تعالى ذكره: ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حقّ الله الذي أوجبه عليهم (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) يقول: فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) قال: نَسُوا حقّ الله، فأنساهم أنفسَهم؛ قال: حظّ أنفسهم.
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين نسوا الله، هم الفاسقون، يعني الخارجون من طاعة الله إلى معصيته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾


يقول تعالى ذكره: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة، أهل الجنة هم الفائزون، يعني أنهم المُدرِكون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾
وقوله: (لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) يقول جلّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد يا خاشعًا؛ يقول: متذللا متصدّعا من خشية الله على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
لَائِمٍ. هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَشَيْخُ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ نَمْحَةَ لَا أَعْرِفُهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّ شُيُوخَ حَرِيزٍ كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ، وَقَدْ رُوِيَ لِهَذِهِ الْخُطْبَةِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقوله تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَيْ لَا يَسْتَوِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي حكم الله تعالى يوم القيامة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ
[الْجَاثِيَةِ: ٢١] وقال تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ [غافر: ٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨]. فِي آيَاتٍ أُخَرَ دَالَّاتٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تعالى يكرم الأبرار ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى هاهنا: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ أَيِ النَّاجُونَ الْمُسَلَّمُونَ من عذاب الله عز وجل.

[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٢١ الى ٢٤]

لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ وَمُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ، لما فيه من الوعد الحق وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي فإذا كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بكم أيها البشر أن لا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً إِلَى آخِرِهَا يَقُولُ لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمَّلْتُهُ إِيَّاهُ لَتَصَدَّعَ وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ وَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أَنْ يَأْخُذُوهُ بالخشية الشديدة والتخشع، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْخُطْبَةِ يَقِفُ إِلَى جَانِبِ جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ أَوَّلَ مَا وُضِعَ وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْطُبَ فَجَاوَزَ الْجِذْعَ إِلَى نَحْوِ الْمِنْبَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَنَّ الْجِذْعُ وَجَعَلَ يَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبِيُّ الَّذِي
يُسَكَّنُ لِمَا كَانَ يَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ وَالْوَحْيِ عِنْدَهُ، فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِذْعِ وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ الصُّمُّ لَوْ سَمِعَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَفَهِمَتْهُ لَخَشَعَتْ وَتَصَدَّعَتْ مَنْ خَشْيَتِهِ، فَكَيْفَ بِكُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمْ وَفَهِمْتُمْ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرعد: ٣١] الآية. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْ لَكَانَ هذا القرآن، وقد قال تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: ٧٤].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ وَلَا إِلَهَ لِلْوُجُودِ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ فَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَيْ يَعْلَمُ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الْمُشَاهِدَاتِ لَنَا وَالْغَائِبَاتِ عَنَّا، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حَتَّى الذَّرِّ فِي الظُّلُمَاتِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هاهنا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦] وقال تَعَالَى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ أَيِ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِلَا مُمَانَعَةٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ. وقوله تعالى: الْقُدُّوسُ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَيِ الطَّاهِرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ أَيِ الْمُبَارَكُ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ تُقَدِّسُهُ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ السَّلامُ أَيْ مِنْ جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقوله تعالى: الْمُؤْمِنُ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ أَمَّنَ خَلْقَهُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّنَ بِقَوْلِهِ إِنَّهُ حَقٌّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَدَّقَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِهِ. وَقَوْلُهُ تعالى:
الْمُهَيْمِنُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ بِمَعْنَى هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الْبُرُوجِ: ٩] وَقَوْلُهُ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ [يُونُسَ:
٤٦] وَقَوْلُهُ أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] الآية.
وقوله تعالى: الْعَزِيزُ أَيِ الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَ الْأَشْيَاءَ فَلَا يُنَالُ جَنَابُهُ لِعِزَّتِهِ وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال تعالى: الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ أَيِ الَّذِي لَا تَلِيقُ الْجَبْرِيَّةُ إِلَّا لَهُ وَلَا التَّكَبُّرُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ «الْعَظَمَةُ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» «١» وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَبَّارُ الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ. وقال ابن
(١) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٢٦، وابن ماجة في الزهد باب ١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٨، ٣٧٦، ٤١٤، ٤٢٧، ٤٤٢.
جَرِيرٍ: الْجَبَّارُ الْمُصْلِحُ أُمُورَ خَلْقِهِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُتَكَبِّرُ يَعْنِي عن كل سوء ثم قال تعالى: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ وقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ الْخَلْقُ التَّقْدِيرُ والبرء هُوَ الْفَرْيُ، وَهُوَ التَّنْفِيذُ وَإِبْرَازُ مَا قَدَّرَهُ وَقَرَّرَهُ إِلَى الْوُجُودِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا وَرَتَّبَهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَإِيجَادِهِ سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ آخَرَ: [الكامل]
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُالْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي «١»
أَيْ أَنْتَ تُنَفِّذُ مَا خَلَقْتَ أَيْ قَدَّرْتَ، بِخِلَافِ غَيْرِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ مَا يُرِيدُ، فَالْخَلْقُ التَّقْدِيرُ وَالْفَرْيُ التَّنْفِيذُ، وَمِنْهُ يُقَالُ قَدَّرَ الْجَلَّادُ ثُمَّ فَرَى أَيْ قَطَعَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ أَيِ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ، وَالصُّورَةِ الَّتِي يَخْتَارُ كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَوِّرُ أَيِ الَّذِي يُنَفِّذُ مَا يُرِيدُ إِيجَادَهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُهَا.
وَقَوْلُهُ تعالى: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. ونذكر الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» «٢» وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ». وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ:
«هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمَقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخَرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْوَالِي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، العفو، الرؤوف، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع،
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٩٤، ولسان العرب (خلق)، (فرا)، وتهذيب اللغة ٧/ ٢٦، ١٥/ ٢٤٢، ومقاييس اللغة ٢/ ٢١٤، ٤/ ٤٩٧، وديوان الأدب ٢/ ١٢٣، وكتاب الجيم ٣/ ٤٩، والمخصص ٤/ ١١١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦١٩، وتابع العروس (فرا).
(٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٦٩، ومسلم في الذكر حديث ٥، ٦ وأبو داود في الوتر باب ١، والترمذي في الوتر باب ٢، والنسائي في قيام الليل باب ٢٧، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٤.
الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ». وَسِيَاقُ ابْنِ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: ٤٤] وقوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ أَيْ فَلَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ أَبُو الْعَلَاءِ الْخَفَّافُ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «٢» عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ. وَقَالَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. آخر تفسير سورة الحشر، ولله الحمد والمنة.
(١) المسند ٥/ ٢٦.
(٢) كتاب ثواب القرآن باب ٢٢.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم(١)  ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثهم عليه، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله أي : لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف(٢)  لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد.
ثم أخبر تعالى أنه يضرب للناس الأمثال، ويوضح لعباده في كتابه الحلال والحرام، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه.
١ - في ب: وأمر عباده ونهاهم..
٢ - كذا في ب، وفي أ: وأقلها تكلفا..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٨-٢١} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا، أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد.
وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة.
والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا، لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون.
ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم (١) ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثهم عليه، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على -[٨٥٤]- النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف (٢) لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد.
ثم أخبر تعالى أنه يضرب للناس الأمثال، ويوضح لعباده في كتابه الحلال والحرام، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه.
(١) في ب: وأمر عباده ونهاهم.
(٢) كذا في ب، وفي أ: وأقلها تكلفا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
مُّتَصَدِّعًا
مُتَشَقِّقًا.

إعراب الآية ٢١ من سورة الحشر

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٨]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ والأصل ولتنظر حذفت الكسرة لثقلها واتصالها بالواو أي لتنظر نفس ما قدّمت ليوم القيامة من حسن ينجيها أو قبيح يوبقها. والأصل في غد غدو وربما جاء على أصله ثم كرّر توكيدا فقال جلّ وعزّ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٩]

وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)
يكون نسي بمعنى ترك أي تركوا طاعة الله جلّ وعزّ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال سفيان:
أي فأنساهم حظّ أنفسهم. ومن حسن ما قيل فيه أنّ المعنى أنّ الله لما عذّبهم شغلهم عن الفكرة في أهل دينهم أو في خواصهم، كما قال فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤].
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن طاعة الله جلّ وعزّ.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٠]

لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
لا يَسْتَوِي أي لا يعتدل. أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ وفي حرف ابن مسعود ولا أصحاب الجنّة تكون «لا» زائدة للتوكيد. أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ أي الذين ظفروا بما طلبوا.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢١]

لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)
مُتَصَدِّعاً نصب على الحال أي فزعا لتعظيمه القرآن. مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ودلّ بهذا على أنه يجب أن يكون من معه القرآن خائفا حذرا معظّما له منزها عمن يخالفه.
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ أي يعرفهم بهذا. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فينقادون إلى الحق.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٢]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
هُوَ مبتدأ، ومن العرب من يسكّن الواو فمن أسكنها حذفها هاهنا لالتقاء الساكنين، اسم الله جلّ وعزّ خبر الابتداء، الَّذِي من نعته. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في الصلة أي الذي لا تصلح الألوهة إلّا له لأن كل شيء له هو خالقه فالألوهة له وحده عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ نعت، ولو كان بالألف واللام في الأول لكان الثاني منصوبا، وجاز الخفض هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ والرحمة من الله جلّ وعزّ التفضل والإحسان إلى من يرحمه.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢١ من سورة الحشر

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْقُرْءَانَ

(القُرْءَانَ) بإسكان الراء وبعدها همزة مفتوحة

روح عن يعقوب الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر خلف عن حمزة حفص عن عاصم رويس عن يعقوب شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف إدريس عن خلف ورش عن نافع قالون عن نافع

(الْقُرَانَ) بفتح الراء وحذف الهمزة

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

لِلنَّاسِ

إمالة الألف

الدوري عن أبي عمرو

فتح الألف

روح عن يعقوب إدريس عن خلف رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٤ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية: يعذرُ اللهُ الجبلَ الأصمّ، ولم يعذر شقِيَّ ابنِ آدم، هل رأيتم أحدًا قطّ تصدّعت جوانحه من خشية الله؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٤٩.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم وعظهم، فقال: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هذا القُرْآنَ﴾ الذي فيه أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحرامه وحلاله ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ وحمَّلتُه إياه؛ ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ يا محمد ﴿خاشِعًا﴾ يعني: خاضعًا ﴿مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فكيف لا يَرِقُّ هذا الإنسان، ولا يخشى الله، فأمر اللهُ الناسَ الذين هم أضعف مِن الجبل الأصمّ الذي عروقه في الأرض السابعة، ورأسه في السماء، أن يأخذوا القرآن بالخشية والشدّة، والتخشّع، فضرب الله لذلك مثلًا، فقال: ﴿وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ﴾ يعني: لكي ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِي أمثال اللَّه، فيعتبروا في الرّبوبية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٨٤-٢٨٥.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ الآية، قال: يقول: لو أني أنزلتُ هذا القرآن على جبلٍ حمَّلتُه إيّاه تصدّع وخشع مِن ثِقَله، ومِن خشية الله. فأمر اللهُ الناسَ إذا نَزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتّخشّع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٤٩. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ الآية، قال: لو أنزلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ، فأمرتُه بالذي أمرتُكم به، وخوّفته بالذي خوّفتكم به؛ إذًا لخشع وتصدّع مِن خشية الله، فأنتم أحقّ أن تَخشَعوا وتذلّوا، وتَلين قلوبكم لذكر الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

أثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود، وعلي، مرفوعًا، في قوله: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ إلى آخر السورة، قال: «هي رُقْية الصداع»١
التخريج
  1. ١أورده الديلمي في الفردوس ٣‏/‏٢٢٦ (٤٦٦٥) بنحوه. قال الشوكاني في فتح القدير ٥‏/‏٢٤٨: «رواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهم».
٢
عن إدريس بن عبد الكريم الحداد، قال: قرأتُ على خلف، فلمّا بلَغتُ هذه الآية: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ قال: ضعْ يدَك على رأسِك؛ فإني قرأتُ على سليم، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على حمزة، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على الأعمش، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على يحيى بن وثّاب، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضعْ يدك على رأسك؛ فإني قرأتُ على عَلقمة والأسود، فلما بلغتُ هذه الآية قالا: ضْع يدك على رأسك؛ فإنّا قرأنا على عبد الله، فلما بلَغنا هذه الآية قال: ضَعا أيديكما على رؤوسكما؛ فإني قرأتُ على النبيِّ ﷺ؛ فلما بلغتُ هذه الآية قال لي: «ضعْ يدك على رأسك؛ فإنّ جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضعْ يدك على رأسك؛ فإنها شفاء مِن كلّ داء إلا السّام». والسام: الموت١
التخريج
  1. ١أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ١‏/‏٣٧٧.
٣
عن مالك بن دينار، قال: أُقسِم لكم؛ لا يؤمن عبدٌ بهذا القرآن إلا صُدِع قلبُه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
التفسير بالمأثور لسورة الحشر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢١ من سورة الحشر

١٩ وقفةً في هذه الآية

  • كم نحتاج من المال والزمن والمتفجرات لكي يتصدع جبل شامخ؟ولكن بعض القلوب أقسى!(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله).

    — سعود الشريم

  • قال سبحانه : { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } كان بعض السلف إذا مرَّ بمَثَلٍ لا يفهمه بكى ! ويقول : لست من العالمين .

    — نايف الفيصل

  • إذا رأيت قلبك لا يتأثر بالقرآن فاتهم نفسك ! لأن الله أخبر أن القرآن لو أُنزل على جبل لتصدع .. وقلبك لا يتأثر !!! ( ابن عثيمين )

    — نايف الفيصل

  • قرأ_ الإمام قول الله: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن ...﴾ ثم قوله ﷻ: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو﴾ لن تصل إلى معرفة الله إلا بالقرآن ..

    — نايف الفيصل

  • قال الضحاك في الآية: لو أنزل هذا القرآن على جبل فأمرته بالذي أمرتكم به وخوَّفته بالذي خوفتكم به إذًا لخشع وتصدع من خشية الله، فأنتم أحق أن تخشوا وتذلوا وتلين قلوبكم لذكر الله.

    — جلال الدين السيوطي

  • لك الفخر إن كنت تعقل! هذا الرب العظيم، قدر برحمته أن يكلمك أنت أيها الإنسان، فكلمك بالقرآن.. أوَ تدري ما تسمع؟ رب الكون يكلمك! (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)! أي وجدان وأي قلب يتدبر هذه الحقيقة العظمى، فلا يخر ساجدًا لله الواحد القهار رغبًا ورهبًا؟ اللهم إلا إذا كان صخرًا أو حجرًا، كيف، وهذا الصخر والحجر من أخشع الخلق لله؟ (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)

    — فريد الانصاري

  • (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أي: لأجل أن يتفكروا. ويستفاد من هذه الآية فائدة أصولية وهي: أن كل مثل في القرآن، فهو إثبات للقياس؛ لأن المقصود بالمثل: انتقال الذهن من هذا إلى هذا.

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه) المقصود من ذكر الجبل وخشوعه هنا تنبيه الإنسان على قسوة قلبه، وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن، وإعراضه عن تدبر زواجره.

    — زكريا الأنصاري

  • (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر: ٢١) حثَّ على تأمُّل مواعظ القرآن، وبيَّنَ أنه لا عذر في ترك التدبُّر، فإنه لو خوطب بهذا القرآنِ الجبالُ؛ لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعةً متصدعةً!

    — القرطبي

  • قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ثم قال بعدها: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه) (الحشر: ٢١)، ذكر هذه الآية بعد بيان حال الفاسقين ينبه على أن ما أوقع الفاسقين في الهلكة إنما هو إهمالهم القرآن الكريم والتدبر فيه، وذلك من نسيانهم الله تعالى.

    — ابن عاشور

  • فهذا حال جبال الحجارة الصلبة، وهذه رِقَّتُها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربِّها، فيا عجبا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويذكر الرب فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب فليس بمستنكر على الله ولا يخالف حكمته أن يخلق لها نارا تذيبها إذ لم تلن بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه، فمن لم يلن لله في هذه الدار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خشيته، فليتمتع قليلا فإن أمامه الملين الأعظم.

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • طرقات علي باب التدبر سورة الحشر آية 21

    — محمد علي يوسف

و٧ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢١ من سورة الحشر

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢١ من سورة الحشر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(21) If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال