تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم﴾، قال جماعة المفسرين : هم بنو النضير من اليهود، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وادعهم وشرط عليهم أن لا ينصروا مشركي قريش، فنقضوا العهد. وروي أن نقضهم العهد كان هو أن النبي صلى الله عليه و سلم أتاهم يستعين بهم في دية التلاديين وقيل العامريين قتلى عمرو بن أمية الضمري، فجاء وقعد في أصل حصنهم فقالوا : ما جاء بك يا محمد ؟ ! فذكر لهم ما جاء فيه، واستعان بهم، فدبروا ليلقوا عليه صخرة ويقتلوه ؛ فجاء جبريل عليه السلام وأخبره، فرجع إلى المدينة ثم حاصرهم وأجلاهم " (١). وقوله :( لأول الحشر ) قال الحسن : معنى أول الحشر : هو أن الشام أرض الحشر والمنشر، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أجلاهم إلى الشام، فإجلاءه إياهم كان هو الحشر الأول، والحشر الثاني يوم القيامة، وهو قول عكرمة أيضا. وقال عكرمة : من شك أن الشام أرض المحشر فليقرأ قوله تعالى :( لأول الحشر ). وقيل : إن بني النضير كانوا أول من أجلوا عن بلادهم من اليهود فقال :( لأول الحشر ) بهذا المعنى. ثم إن عمر رضي الله عنه أجلى باقي اليهود عن جزيرة العرب استدلالا بقوله عليه الصلاة والسلام :" لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " قال أبو عبيدة : وجزيرة العرب من حفر أبي موسى إلى أقصى حجر باليمن طولا، ومن رمل يبرين(٢) إلى منقطع السماوة عرضا. والقول الثاني قول مجاهد وغيره. وقوله :( ما ظننتم أن يخرجوا ) معناه : ما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا ؛ لأنهم كانوا أعز اليهود بأرض الحجاز وأمنعهم جانبا.
قوله :( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ) أي : من عذاب الله.
وقوله :( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) قال السدى : هو بقتل كعب بن الأشرف، قتله محمد بن مسلمة الأنصاري حين بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان صديقا لكعب في الجاهلية فجاءه ليلا ودق عليه باب الحصن، فنزل فاغتاله وقتله، وروي أن محمد بن مسلمة قال لكعب : ألست كنت تعدنا خروج هذا النبي ؟ وتقول : هو الضحوك القتال يركب البعير، ويلبس الشملة، يجترئ بالكسرة، سيفه على عاتقه، له ملاحم وملاحم. فقال : نعم، ولكن ليس هو بذاك. فقال كذبت يا عدو الله، بل حسدتموه.
وقوله :( وقذف في قلوبهم الرعب ) أي : الخوف، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" نصرت بالرعب مسيرة شهر " (٣).
وقوله :( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) وقرئ :" يخربون " من الإخراب، فمنهم من قال : هما واحد، والتشديد للتكثير. وقال أبو عمرو : يخربون من فعل التخريب، ويخربون بالتخفيف أي : يتركوها خرابا. فإن قيل : كيف قال :( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) ولا يتصور أن يخربوا بيوتهم بأيدي المؤمنين ؟ والجواب : إنما أضاف إليهم ؛ لأنهم هم الذين ألجأوا المؤمنين إلى التخريب، وحملوهم على ذلك بامتناعهم عن الإيمان. فإن قال قائل : لم يخربوا بيوتهم ؟ قلنا : طلبوا من ذلك توسيع موضع القتال. وعن الزهري : أن المسلمين كانوا يخربون من خارج الحصن، واليهود كانوا يخربون من داخل الحصن، وكان تخريبهم ذلك ليحملوا ما استحسنوه من سقوف بيوتهم مع أنفسهم. وقيل : لئلا تبقى للمؤمنين.
وقوله :( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) والاعتبار هو النظر في الشيء ليعرف به جنسه ومثله. وقيل معناه : فانظروا وتدبروا يا ذوي العقول والفهوم، كيف سلط الله المؤمنين عليهم، وسلطهم على أنفسهم ؟ وقد استدل بهذه الآية على جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار ؛ إذ هو تعبير شيء بمثله بمعنى جامع بينهما ليتفقا في حكم الشرع.
١ - تقدم تخريجه..
٢ - في ((ك)) : بعل أبرين. و الصواب : رمل يبرين أو أبرين. انظر معجم البلدان ( ٥/ ٤٩٠ )..
٣ - تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى