روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ بيان لحكم ما أفاءه الله تعالى على رسوله ﷺ من قرى الكفار على العموم بعد بيان حكم ما أفاءه من بني النضير كما رواه القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج عن محمد بن إسحق الزخري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ويشعر به كلامه رضي الله تعالى عنه في حديث طويل فيه مرافعة علي كرم الله تعالى وجهه. والعباس في أمر فدك أخرجه البخاري. ومسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وغيرهم فالجملة جواب سؤال مقدر ناشئ مما فهم من الكلام السابق فكأن قائلاً يقول : قد علمنا حكم ما أفاء الله تعالى من بني النضير فما حكم ما أفاء عز وجل من غيرهم ؟ فقيل :﴿مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ الخ، ولذا لم يعطف على ما تقدم، ولم يذكر في الآية قيد الإيجاف ولا عدمه، والذي يفهم من كتب بعض الشافعية أن تضمنته حكم الفيء لا الغنيمة ولا الأعم، وفرقوا بينهما قالوا : الفيء ما حصل من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب كجزية وعشر تجارة، وما صولحوا عليه من غير نحو قتال وما جلوا عنه خوفاً قبل تقابل الجيشين أما بعده فغنيمة، وما لمرتد قتل أو مات على ردته، وذمي. أو معاهد. أو مستأمن مات بلا وارث مستغرق، والغنيمة ما حصل من كفار أصليين حربيين بقتال، وفي حكمه تقابل الجيشين أو إيجاف منا لا من ذميين فإنه لهم ولا يخمس وحكمها مشهور.
وصرح غير واحد من أصحابنا بالفرق أيضاً نقلاً عن المغرب وغيره فقالوا : الغنيمة ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس، وباقيها للغانمين خاصة، والفيء ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها وصيرورة الدار دار إسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس أي يصرف جميعه لمصالهم ؛ ونقل هذا الحكم ابن حجر عمن عدا الشافعي رضي الله تعالى عنه من الأئمة الثلاثة، والتخميس عنه استدلالاً بالقياس على الغنيمة المخمسة بالنص بجامع أن كلا راجع إلينا من الكفار، واختلاف السبب بالقتال وعدمه لا يؤثر، والذي نطقت به الأخبار الصحيحة أن عمر رضي الله تعالى عنه صنع في سواد العراق ما تضمنته الآية، واعتبرها عامة للمسلمين محتجاً بها على الزبير. وبلال. وسلمان الفارسي. وغيرهم حيث طلبوا منه قسمته على الغانمين بعقاره وعلوجه، ووافقه على ما أراد على. وعثمان. وطلحة. والأكثرون بل المخالفون أيضاً بعد أن قال خاطباً : اللهم اكفنى بلالا وأصحابه مع أن المشهور في كتب المغازي أن السواد فتح عنوة، وهو يقتضي كونه غنيمة فيقسم بين الغانمين، ولذا قال بعض الشافعية : إن عمر رضي الله تعالى عنه استطاب قلوب الغانمين حتى تركوا حقهم فاسترد السواد على أهله بخراج يؤدونه في كل سنة فليراجع وليحقق، وما جعله الله تعالى من ذلك لمن تضمنه قوله تعالى :﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى ﴿ابن السبيل﴾ هو خمس الفيء على ما نص عليه بعض الشافعية، ويقسم هذا الخمس خمسة أسهم : لمن ذكر الله عز وجل وسهمه سبحانه وسهم رسوله واحد، وذكره تعالى كما روي عن ابن عباس.
والحسن بن محمد بن الحنفية افتتاح كلام للتيمن والتبرك فإن لله ما في الساموات وما في الأرض، وفيه تعظيم لشأن الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقال أبو العالية : سهم الله تعالى ثابت يصرف إلى بناء بيته وهو الكعبة المشرفة إن كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس، ويلزمه أن السهام كانت ستة وهو خلاف المعروف عن السلف في تفسير ذلك ؛ وسهم الرسول ﷺ قد كان له في حياته بالإجماع وهو خمس الخمس وكان ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤونة سنة أي لبعض زوجات ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وسقط عندنا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام قالوا : لأن عمل الخلفاء الراشدين على ذلك وهم أمناء الله تعالى على دينه ولأن الحكم معلق بوصف مشتق وهو الرسول فيكون مبدأ الاشتقاق وهو الرسالة علة ولم توجد في أحد بعده، وهذا كما سقط الصفى.
ونقل عن الشافعي أنه يصرف للخليفة بعده لأنه عليه الصلاة والسلام كان يستحقه لإمامته دون رسالته ليكون ذلك أبعد عن توهم الأجر على الإبلاغ، والأكثرون من الشافعية أن ما كان له ﷺ من خمس الخمس يصرف لمصالح المسلمين كالثغور، وقضاة البلاد والعلماء المشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم، وألحق بهم العاجزون عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام معتبراً سعة المال وضيقه، ويقدم الأهم فالأهم وجوباً، وأهمها سد الثغور، ورد سهمه ﷺ بعد وفاته للمسلمين الدال عليه قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الصحيح :«مالي مما أفاء الله تعالى عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم » صادق بصرفه لمصالح المسلمين كما أنه صادق بضمه إلى السهام الباقية فيقسم معها على سائر الأصناف، ولا يسلم ظهوره في هذا دون ذاك، وسهم لذي القربى. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل فهذه خمسة أسهم الخمس، والمراد بذي القربى قرابته ﷺ، والمراد بهم بنو هاشم. وبنو المطلب لأنه ﷺ وضع السهم فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، ومن ذريته عثمان. وأخيهما لأبيهما نوفل مجيباً عن ذلك بقوله ﷺ :" نحن وبنو المطلب شيء واحد " وشبك بين أصابعه رواه البخاري أي لم يفارقوا بني هاشم في نصرته ﷺ جاهلية ولا إسلاماً، وكأنه لمزيد تعصبهم وتواقفهم حتى كأنهم على قلب رجل واحد قيل : لذي القربى دون لذوي بالجمع.
قال الشافعي : يشترك في هذا الشهم الغني والفقير لإطلاق الآية ولإعطائه ﷺ العباس وكان غنياً، بل قيل : كان له عشرون عبداً يتجرون له، والنساء لأن فاطمة. وصفية عمة أبيها رضي الله تعالى عنهما كانا يأخذان منه، ويفضل الذكر كالارث بجامع أنه استحقاق بقرابة الأب فله مثل حظي الأنثى، ويستوي فيه العالم والصغير وضدهما، ولو أعرضوا عنه لم يسقط كالإرث، ويثبت كون الرجل هاشمياً أو مطلبياً بالبينة، وذكر جمع أنه لا بد معها من الاستفاضة، ويقول الشافعي قال أحمد، وعند مالك الأمر مفوض إلى الإمام إن شاء قسم بينهم وإن شاء أعطى بعضهم دون بعض وإن شاء أعطى غيرهم إن كان أمره أهم من أمرهم.
وقال المزني. والثوري : يستوي الذكر والأنثى ويدفع للقاضي والداني ممن له قرابة، والغني والفقير سواء لإطلاق النص، ولأن الحكم المعلق بوصف مشتق معلل بمبدأ الاشتقاق، وعندنا ذو القربى مخصوص ببني هاشم. وبني المطلب للحديث إلا أنهم ليس لهم سهم مستقل ولا يعطون مطلقاً، وإنما يعطي مسكينهم ويتيمهم وابن سبيلهم لاندراجه في ﴿اليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ لكن يقدمون على غيرهم من هذه الأصناف لأن الخلفاء الثلاثة لم يخرجوا لهم سهماً مخصوصاً، وإنما قسموا الخمس ثلاثة أسهم : سهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل، وعلي كرم الله تعالى وجهه في خلافته لم يخالفهم في ذلك مع مخالفته لهم في مسائل، ويحمل على الرجوع إلى رأيهم إن صح عنه أنه كان يقول : سهم ذوي القربى على ما حكى عن الشافعي، وفائدة ذكره على القول بأن استحقاقهم لوصف آخر غير القرابة كالفقر دفع توهم أن الفقير منهم مثلاً لا يستحق شيئاً لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، ومن تتبع الأخبار وجد فيها اختلافاً كثيراً ؛ ومنها ما يدل على أن الخلفاء كانوا يسهمونهم مطلقاً، وهو رأي علماء أهل البيت، واختار بعض أصحابنا أن المذكور في الآية مصارف الخمس على معنى أن كلا يجوز أن يصرف له لا المستحقين فيجوز الاقتصار عندنا على صنف واحد كأن يعطي تمام الخمس لابن السبيل وحده مثلاً.
والكلام مستوفى في «شروح الهداية » والمراد باليتامى الفقراء منهم قال الشافعية : اليتيم هو صغير لا أب له وإن كان له جد، ويشترط إسلامه وفقره، أو مسكنته على المشهور أن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة، وفائدة ذكرهم مع شمول المساكين لهم عدم حرمانهم لتوهم أنهم لا يصلحون للجهاد وإفرادهم بخمس كامل ويدخل فيهم ولد الزنا، والمنفي لا اللقيط على الأوجه لأنا لم نتحقق فقد أبيه على أنه غنى بنفقته في بيت المال، ولا بد في ثبوت اليتيم والإسلام والفقر هنا من البينة، ويكفي في المسكين وابن السبيل قولهما ولو بلا يمين. وإن اتهما، نعم يظهر في مدعى تلف مال له عرف أو عيال أنه يكلف بينة انتهى، واشتراط الفقر في اليتيم مصرح به عندنا في أكثر الكتب وليراجع الباقي.
هذا والأربعة الأخماس الباقية مصرفها على ما قال صاحب الكشف وهو شافعي بعد أن اختار جعل ﴿لِلْفُقَرَاء﴾ بدلا من ﴿القربى واليتامى﴾ وما عطف عليه من تضمنه قوله تعالى :﴿والذين﴾ إلى قوله سبحانه :﴿ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٩- ١٠] على معنى أن له عليه الصلاة والسلام أن يعم الناس بها حسب اختياره، وقال : إنها للمقاتلين الآن على الأصح، وفي تحفة ابن حجر أنها على الأظهر للمرتزقة وقضاتهم وأئمتهم ومؤذنيهم وعمالهم ما لم يوجد تبرع، والمرتزقة الأجناد الموصودون في الديوان للجهاد لحصول النصرة بهم بعده ﷺ، وصرح في التحفة بأن الأكثرين على أن هذه الأخماس الأربعة كانت له عليه الصلاة والسلام مع خمس الخمس، فجملة ما كان يأخذه ﷺ من الفيء أحد وعشرون سهماً من خمسة وعشرين، وكان على ما قال الروياني : يصرف العشرين التي له عليه الصلاة والسلام يعني الأربعة الأخماس للمصالح وجوباً في قول وندبا في آخر، وقال الغزالي : كان الفيء كله له ﷺ في حياته، وإنما خمس بعد وفاته.
وقال الماوردي : كان له ﷺ في أول حياته ثم نسخ في آخرها، وقال الزمخشري : إن قوله تعالى :﴿مَّا أَفَاء الله﴾ الخ بيان للجملة الأولى يعني قوله تعالى :﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] ولذا لم يدخل العاطف عليها بين فيها لرسول الله ﷺ ما يصنع بما أفاء الله تعالى عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة، وظاهره أن الجملة استئناف بياني، والسؤال عن مصارف ما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ من بني النضير الذي أفادت الجملة الأولى أن أمره مفوض إليه ﷺ لا يلزم أن يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها قتالاً معتداً به، وأخذت عنوة وقهراً كما طلب الغزاة لتكون أربعة أخماسها لهم وأن ما يوضع موضع الخمس من الغنائم هو الكل لا أن خمسه كذلك والباقي وهو أربعة أخماسه لمن تضمنه قوله تعالى :
﴿والذين﴾ إلى قوله سبحانه :﴿ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] على ما سمعت سابقاً، وأن المراد بأهل القرى هو المراد بالضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] أعني بني النضير، وعدل عن الضمير إلى ذلك على ما في الإرشاد إشعاراً بشمول ما في ﴿مَّا أَفَاء الله﴾ لعقاراتهم أيضاً، واعترض صاحب الكشف ما يشعر به الظاهر من أن الآية دالة على أمره ﷺ بأن ي
وصرح غير واحد من أصحابنا بالفرق أيضاً نقلاً عن المغرب وغيره فقالوا : الغنيمة ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس، وباقيها للغانمين خاصة، والفيء ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها وصيرورة الدار دار إسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس أي يصرف جميعه لمصالهم ؛ ونقل هذا الحكم ابن حجر عمن عدا الشافعي رضي الله تعالى عنه من الأئمة الثلاثة، والتخميس عنه استدلالاً بالقياس على الغنيمة المخمسة بالنص بجامع أن كلا راجع إلينا من الكفار، واختلاف السبب بالقتال وعدمه لا يؤثر، والذي نطقت به الأخبار الصحيحة أن عمر رضي الله تعالى عنه صنع في سواد العراق ما تضمنته الآية، واعتبرها عامة للمسلمين محتجاً بها على الزبير. وبلال. وسلمان الفارسي. وغيرهم حيث طلبوا منه قسمته على الغانمين بعقاره وعلوجه، ووافقه على ما أراد على. وعثمان. وطلحة. والأكثرون بل المخالفون أيضاً بعد أن قال خاطباً : اللهم اكفنى بلالا وأصحابه مع أن المشهور في كتب المغازي أن السواد فتح عنوة، وهو يقتضي كونه غنيمة فيقسم بين الغانمين، ولذا قال بعض الشافعية : إن عمر رضي الله تعالى عنه استطاب قلوب الغانمين حتى تركوا حقهم فاسترد السواد على أهله بخراج يؤدونه في كل سنة فليراجع وليحقق، وما جعله الله تعالى من ذلك لمن تضمنه قوله تعالى :﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى ﴿ابن السبيل﴾ هو خمس الفيء على ما نص عليه بعض الشافعية، ويقسم هذا الخمس خمسة أسهم : لمن ذكر الله عز وجل وسهمه سبحانه وسهم رسوله واحد، وذكره تعالى كما روي عن ابن عباس.
والحسن بن محمد بن الحنفية افتتاح كلام للتيمن والتبرك فإن لله ما في الساموات وما في الأرض، وفيه تعظيم لشأن الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقال أبو العالية : سهم الله تعالى ثابت يصرف إلى بناء بيته وهو الكعبة المشرفة إن كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس، ويلزمه أن السهام كانت ستة وهو خلاف المعروف عن السلف في تفسير ذلك ؛ وسهم الرسول ﷺ قد كان له في حياته بالإجماع وهو خمس الخمس وكان ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤونة سنة أي لبعض زوجات ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وسقط عندنا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام قالوا : لأن عمل الخلفاء الراشدين على ذلك وهم أمناء الله تعالى على دينه ولأن الحكم معلق بوصف مشتق وهو الرسول فيكون مبدأ الاشتقاق وهو الرسالة علة ولم توجد في أحد بعده، وهذا كما سقط الصفى.
ونقل عن الشافعي أنه يصرف للخليفة بعده لأنه عليه الصلاة والسلام كان يستحقه لإمامته دون رسالته ليكون ذلك أبعد عن توهم الأجر على الإبلاغ، والأكثرون من الشافعية أن ما كان له ﷺ من خمس الخمس يصرف لمصالح المسلمين كالثغور، وقضاة البلاد والعلماء المشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم، وألحق بهم العاجزون عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام معتبراً سعة المال وضيقه، ويقدم الأهم فالأهم وجوباً، وأهمها سد الثغور، ورد سهمه ﷺ بعد وفاته للمسلمين الدال عليه قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الصحيح :«مالي مما أفاء الله تعالى عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم » صادق بصرفه لمصالح المسلمين كما أنه صادق بضمه إلى السهام الباقية فيقسم معها على سائر الأصناف، ولا يسلم ظهوره في هذا دون ذاك، وسهم لذي القربى. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل فهذه خمسة أسهم الخمس، والمراد بذي القربى قرابته ﷺ، والمراد بهم بنو هاشم. وبنو المطلب لأنه ﷺ وضع السهم فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، ومن ذريته عثمان. وأخيهما لأبيهما نوفل مجيباً عن ذلك بقوله ﷺ :" نحن وبنو المطلب شيء واحد " وشبك بين أصابعه رواه البخاري أي لم يفارقوا بني هاشم في نصرته ﷺ جاهلية ولا إسلاماً، وكأنه لمزيد تعصبهم وتواقفهم حتى كأنهم على قلب رجل واحد قيل : لذي القربى دون لذوي بالجمع.
قال الشافعي : يشترك في هذا الشهم الغني والفقير لإطلاق الآية ولإعطائه ﷺ العباس وكان غنياً، بل قيل : كان له عشرون عبداً يتجرون له، والنساء لأن فاطمة. وصفية عمة أبيها رضي الله تعالى عنهما كانا يأخذان منه، ويفضل الذكر كالارث بجامع أنه استحقاق بقرابة الأب فله مثل حظي الأنثى، ويستوي فيه العالم والصغير وضدهما، ولو أعرضوا عنه لم يسقط كالإرث، ويثبت كون الرجل هاشمياً أو مطلبياً بالبينة، وذكر جمع أنه لا بد معها من الاستفاضة، ويقول الشافعي قال أحمد، وعند مالك الأمر مفوض إلى الإمام إن شاء قسم بينهم وإن شاء أعطى بعضهم دون بعض وإن شاء أعطى غيرهم إن كان أمره أهم من أمرهم.
وقال المزني. والثوري : يستوي الذكر والأنثى ويدفع للقاضي والداني ممن له قرابة، والغني والفقير سواء لإطلاق النص، ولأن الحكم المعلق بوصف مشتق معلل بمبدأ الاشتقاق، وعندنا ذو القربى مخصوص ببني هاشم. وبني المطلب للحديث إلا أنهم ليس لهم سهم مستقل ولا يعطون مطلقاً، وإنما يعطي مسكينهم ويتيمهم وابن سبيلهم لاندراجه في ﴿اليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ لكن يقدمون على غيرهم من هذه الأصناف لأن الخلفاء الثلاثة لم يخرجوا لهم سهماً مخصوصاً، وإنما قسموا الخمس ثلاثة أسهم : سهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل، وعلي كرم الله تعالى وجهه في خلافته لم يخالفهم في ذلك مع مخالفته لهم في مسائل، ويحمل على الرجوع إلى رأيهم إن صح عنه أنه كان يقول : سهم ذوي القربى على ما حكى عن الشافعي، وفائدة ذكره على القول بأن استحقاقهم لوصف آخر غير القرابة كالفقر دفع توهم أن الفقير منهم مثلاً لا يستحق شيئاً لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، ومن تتبع الأخبار وجد فيها اختلافاً كثيراً ؛ ومنها ما يدل على أن الخلفاء كانوا يسهمونهم مطلقاً، وهو رأي علماء أهل البيت، واختار بعض أصحابنا أن المذكور في الآية مصارف الخمس على معنى أن كلا يجوز أن يصرف له لا المستحقين فيجوز الاقتصار عندنا على صنف واحد كأن يعطي تمام الخمس لابن السبيل وحده مثلاً.
والكلام مستوفى في «شروح الهداية » والمراد باليتامى الفقراء منهم قال الشافعية : اليتيم هو صغير لا أب له وإن كان له جد، ويشترط إسلامه وفقره، أو مسكنته على المشهور أن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة، وفائدة ذكرهم مع شمول المساكين لهم عدم حرمانهم لتوهم أنهم لا يصلحون للجهاد وإفرادهم بخمس كامل ويدخل فيهم ولد الزنا، والمنفي لا اللقيط على الأوجه لأنا لم نتحقق فقد أبيه على أنه غنى بنفقته في بيت المال، ولا بد في ثبوت اليتيم والإسلام والفقر هنا من البينة، ويكفي في المسكين وابن السبيل قولهما ولو بلا يمين. وإن اتهما، نعم يظهر في مدعى تلف مال له عرف أو عيال أنه يكلف بينة انتهى، واشتراط الفقر في اليتيم مصرح به عندنا في أكثر الكتب وليراجع الباقي.
هذا والأربعة الأخماس الباقية مصرفها على ما قال صاحب الكشف وهو شافعي بعد أن اختار جعل ﴿لِلْفُقَرَاء﴾ بدلا من ﴿القربى واليتامى﴾ وما عطف عليه من تضمنه قوله تعالى :﴿والذين﴾ إلى قوله سبحانه :﴿ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٩- ١٠] على معنى أن له عليه الصلاة والسلام أن يعم الناس بها حسب اختياره، وقال : إنها للمقاتلين الآن على الأصح، وفي تحفة ابن حجر أنها على الأظهر للمرتزقة وقضاتهم وأئمتهم ومؤذنيهم وعمالهم ما لم يوجد تبرع، والمرتزقة الأجناد الموصودون في الديوان للجهاد لحصول النصرة بهم بعده ﷺ، وصرح في التحفة بأن الأكثرين على أن هذه الأخماس الأربعة كانت له عليه الصلاة والسلام مع خمس الخمس، فجملة ما كان يأخذه ﷺ من الفيء أحد وعشرون سهماً من خمسة وعشرين، وكان على ما قال الروياني : يصرف العشرين التي له عليه الصلاة والسلام يعني الأربعة الأخماس للمصالح وجوباً في قول وندبا في آخر، وقال الغزالي : كان الفيء كله له ﷺ في حياته، وإنما خمس بعد وفاته.
وقال الماوردي : كان له ﷺ في أول حياته ثم نسخ في آخرها، وقال الزمخشري : إن قوله تعالى :﴿مَّا أَفَاء الله﴾ الخ بيان للجملة الأولى يعني قوله تعالى :﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] ولذا لم يدخل العاطف عليها بين فيها لرسول الله ﷺ ما يصنع بما أفاء الله تعالى عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة، وظاهره أن الجملة استئناف بياني، والسؤال عن مصارف ما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ من بني النضير الذي أفادت الجملة الأولى أن أمره مفوض إليه ﷺ لا يلزم أن يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها قتالاً معتداً به، وأخذت عنوة وقهراً كما طلب الغزاة لتكون أربعة أخماسها لهم وأن ما يوضع موضع الخمس من الغنائم هو الكل لا أن خمسه كذلك والباقي وهو أربعة أخماسه لمن تضمنه قوله تعالى :
﴿والذين﴾ إلى قوله سبحانه :﴿ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] على ما سمعت سابقاً، وأن المراد بأهل القرى هو المراد بالضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] أعني بني النضير، وعدل عن الضمير إلى ذلك على ما في الإرشاد إشعاراً بشمول ما في ﴿مَّا أَفَاء الله﴾ لعقاراتهم أيضاً، واعترض صاحب الكشف ما يشعر به الظاهر من أن الآية دالة على أمره ﷺ بأن ي