اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ فيه ثلاثة أوجه(١) :
أحدها : أنه بدل من «لِذي القُربى ». قاله(٢) أبو البقاء والزمخشري(٣).
قال أبو البقاء :«قيل : هو بدل من «لذي القُرْبى » وما بعده ».
[ وقال الزمخشري(٤) : بدل من «لذي القُرْبى » وما عطف عليه ](٥)، والذي منع الإبدال من «لله وللرسول » والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ أن الله - عز وجل - أخرج رسوله ﷺ من الفقراءِ في قوله :﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وأن الله - تعالى - يترفع برسوله ﷺ عن تسميته بالفقيرِ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل.
يعني أنه لو قيل : بأنه بدل من «الله ورسوله » ﷺ وهو قبيح لفظاً، وإن كان المعنى على خلاف هذا الظاهر كما قيل : إن معناه لرسول الله ﷺ وإنما ذكر الله - عز وجل - تفخيماً، وإلا فالله - تعالى - غني عن الفيء وغيره، وإنما جعله بدلاً من «لذي القُربى » ؛ لأنه حنفي، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيءِ(٦).
الثاني : أنه بيان لقوله تعالى :﴿والمساكين وابن السبيل﴾، وكررت لام الجر لما كانت الأولى مجرورة ب «اللام » ليبين أنَّ البدل إنما هو منها. قاله ابن عطية(٧).
وهي عبارة قلقةٌ جداً.
الثالث : أن «للفقراء » خبر لمبتدأ محذوف، أي : ولكن الفيء للفقراء.
وقيل : تقديره : ولكن يكون للفقراء، وقيل : اعجبوا للفقراء.
قوله «يبتغون » يجوز أن يكون حالاً، وفي صاحبها وجهان(٨) :
أحدهما : للفقراء.
والثاني :«واو » أخرجوا. قالهما مكي(٩).

فصل في معنى الآية :


ومعنى الآية أن الفيء والغنائم للفقراء والمهاجرين(١٠).
وقيل :﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء﴾ ولكن يكون «للفقراء » وهو مبني على الإعراب المتقدم، وعلى القول بأنه بيان لذوي القربى، «واليتامى والمساكين » أي : المال لهؤلاء ؛ لأنهم فقراء ومهاجرون، وقد أخرجوا من ديارهم فهم أحق الناس به.
وقيل :﴿ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاءُ﴾ للفقراء المهاجرين كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء مهاجرين من بني الدنيا.
وقيل : والله شديدُ العقاب للفقراء المهاجرين، أي : شديد العقاب للكافر بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم، ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى :﴿وَلِذِي القربى واليتامى﴾.
قال القرطبي(١١) :«وقيل : هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك : هذا المال لزيد لبكر لفلان.
و«المهاجرون » : من هاجر إلى النبي ﷺ حبًّا فيه ونُصرةً له ».
وقال قتادة : هؤلاء المهاجرين الذين تركوا الدِّيار والأموال والأهلين والأوطان حبًّا لله - عز وجل - ولرسوله ﷺ حتَّى إن الرجل منهم كان يَعْصِبُ على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها(١٢).
قوله تعالى :﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ أي : أخرجهم كفار «مكة »، أي : أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل «يَبْتَغُونَ » أي : يطلبون ﴿فَضْلاً مِّنَ الله﴾ : أي غنيمة في الدنيا «ورضْوَاناً » في الآخرة أي : مرضاة ربهم ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ في الجهاد ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ في فعلهم ذلك(١٣).
وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب ب «الجابية »، فقال : من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيَّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومَنْ أراد أن يسأل عن الفقهِ، فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله - تعالى - جعلني له خازناً وقاسماً، ألا وإنِّي بادٍ بأزواج النبي ﷺ فمعطيهنّ، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي، أخرجنا من «مكة » من ديارنا وأموالنا(١٤).
قوله :﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾.
يعني : أنهم لما هجروا لذَّات الدنيا، وتحملوا شدائدها لأجل الدِّين ظهر صدقهم في دينهم(١٥).
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٥..
٢ ينظر الإملاء ٢/١٢١٥..
٣ الكشاف ٤/٥٠٣..
٤ الكشاف ٤/٥٠٣..
٥ سقط من: أ..
٦ وقال الشافعي رحمه الله: لهم خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم، لقوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾، من غير فصل بين الغني والفقير. ينظر: الهداية ٢/١٤٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٨٧..
٨ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٥..
٩ ينظر: المشكل ٢/٧٢٥..
١٠ ينظر: القرطبي ١٨/١٤..
١١ ينظر: القرطبي ١٨/١٤..
١٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٨٨)، عن قتادة وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
١٣ ينظر القرطبي ١٨/١٥..
١٤ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/٥٠٥)، عن علي بن رباح اللخمي عن عمر بن الخطاب..
١٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٤٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى