اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري(١) :" حكاية حال ماضية ؛ لأنَّ " مَا " لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال ".
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم ؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال ؛ كقوله تعالى :﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نفسي﴾ [يونس: ١٥]، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ ﷺ :[ الطويل ]
لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَاولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا(٢)
وقال أبُو ذؤيب :[ الكامل ]
أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةًعِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ(٣)
قوله :" إلا كانوا " هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول " تَأتيهم "، ويجوز أن تكمون صفة ل " رسُولٍ " فيكون في محلِّها وجهان : الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.

فصل في معنى الآية


المعنى : أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- الاستهزاءُ بهم ؛ كما فعلًُوا بك ؛ ذكره تسليةً للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة : إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وإمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
١ ينظر: الكشاف ٢/٥٧٢..
٢ ينظر: الديوان ١٠٣، المغني ١/٢٩٣، شواهد المغني (٢٤٠)، والمقاصد النحوية ٣/٦٠، البحر المحيط ٥/٤٣٥ وروح المعاني ١٤/١٧ والدر المصون ٤/٢٩٠ وله أو للنابغة الجعدي في تخليص الشواهد ص ٢٢٧..
٣ ينظر: ديوان الهذليين ١/٢، المفضليات ٢/٢٢١، الأشموني ٢/٢٨١، التصريح ٢/٦١، العيني ٣/٤٩٨، الجمهرة ٢٤١، خزانة الأدب ١/٤٢٠، وشرح شواهد المغني ١/٢٦٢، لسان العرب "عقب" والمقاصد النحوية ٣/٤٩٨، أوضح المسالك ٣/١٩٧، والبحر المحيط ٥/٤٣٥، والألوسي (١٤/١٧)، والدر المصون ٤/٢٩٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى