زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة

عن الكتاب
(لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا... (١٥) أي سحرت أعيننا، أو سدت علينا مسام الإدراك، (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) الإضراب للترقي في الحكم من سحر أبصارهم إلى سحر كل أجسامهم، وليسوا آحادا بل إنهم قوم مسحورون.
وهكذا تجد الكفر قد استقر في قلوبهم فلا يؤمنون بأية آية ولا يصدقون أي دليل، فذرهم في غيهم يعمهون ولا تلتفت إليهم (ادْعُ إِلَى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ...).
* * *
بدائع الخلق والتكوين
قال اللَّه تعالى:
(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ
بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)
* * *
بعد أن ذكر سبحانه حال الجحود الذي استمكن في قلوب المشركين حتى صاروا بحال يكذبون لها حسهم، وأنهم إذ كذبوا القرآن عنادا وجحودا، فإنهم يكذبون كل شيء مهما يكن مرئيا رأي العين، حتى إنهم لَا يقتنعون بما يراه حسهم، فلو عرجوا إلى السماء لأنكروا وقالوا: إن أعيننا سكِّرت، وصرنا حيارى كالسكارى، وإن محمدا خَيَّل إلينا ما لم نره.
بعد هذا أخذ يبين - سبحانه - عجائب التكوين في خلقه، حتى إن هذه المخلوقات تعلن بالبداهة عن منشئ الكون، وأنهم إذ ضلوا عن هذا، فإن شيئا لا يقنعهم من بعد هذا الضلال.
قال تعالى:

تفسير هذه الآية من كتب أخرى