زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ في المشار إليهما قولان :
أحدهما : أنها الأرض.
والثاني : أنها الأشياء التي أنبتت. والمعايش جمع معيشة. والمعنى : جعلنا لكم فيها أرزاقا تعيشون بها.
وفي قوله :﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أربعة أقوال :
أحدها : أنه الدواب والأنعام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.
والثاني : الوحوش، رواه منصور عن مجاهد. وقال ابن قتيبة : الوحش، والطير، والسباع، وأشباه ذلك مما لا يرزقه ابن آدم.
والثالث : العبيد والإماء، قاله الفراء.
والرابع : العبيد، والأنعام، والدواب، قاله الزجاج. قال الفراء : و " من " في موضع نصب، فالمعنى : جعلنا لكم فيها المعايش، والعبيد، والإماء. ويقال : إنها في موضع خفض، فالمعنى : جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين. وقال الزجاج : المعنى : جعلنا لكم الدواب، والعبيد، وكفيتم مؤونة أرزاقها.
فإن قيل : كيف قلتم : إن " من " ها هنا للوحوش والدواب، وإنما تكون لمن يعقل ؟ فالجواب : أنه لما وصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف به الناس، فيقال : للآدمي معاش، ولا يقال : للفرس معاش، جرت مجرى الناس، كما قال :﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وقال :﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقال :﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وإن قلنا : أريد به العبيد، والوحوش، فإنه إذا اجتمع الناس وغيرهم، غلب الناس على غيرهم، لفضيلة العقل والتمييز.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى