فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
المراد بالإنسان في قوله :﴿ولَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ هو : آدم لأنه أصل هذا النوع، والصلصال، قال أبو عبيدة : هو الطين المخلوط بالرمل الذي يتصلصل إذا حرّك، فإذا طبخ في النار فهو الفخار. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الكسائي : هو الطين المنتن، مأخوذ من قول العرب صلّ اللحم وأصلّ : إذا أنتن، مطبوخاً كان أو نيئاً.
قال الحطيئة :
ذاك فتى يبذل ذا قدرةلا يفسد اللحم لديه الصلول
والحمأ : الطين الأسود المتغير، أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير. قال ابن السكيت : تقول منه. حمأت البئر حمأ بالتسكين : إذا نزعت حمأتها، وحمئت البئر حمأ بالتحريك : كثرت حمأتها، وأحميتها إحماء : ألقيت فيها الحمأة. قال أبو عبيدة : الحمأة بسكون الميم مثل الحمأة، يعني : بالتحريك. والجمع : حمء مثل : تمرة وتمر، والحمأ المصدر مثل : الهلع والجزع، ثم سمي به. والمسنون قال الفراء : هو المتغير، وأصله من سننت الحجر على الحجر : إذا حككته. وما يخرج بين الحجرين يقال له : السنانة والسنين، ومنه قول عبد الرحمن بن حسان :
ثم حاصرتها إلى القبة الحمراتمشي في مرمر وسنون
أي : محكوك، ويقال : أسن الماء : إذا تغير. ومنه قوله :﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقوله :﴿مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]. وكلا الاشتقاقين يدل على التغير ؛ لأن ما يخرج بين الحجرين لا يكون إلاّ منتنا. وقال أبو عبيدة : المسنون : المصوب، وهو من قول العرب. سننت الماء على الوجه : إذا صببته، والسنّ الصب. وقال سيبويه : المسنون المصوّر، مأخوذ من سنة الوجه، وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة :
تريك سنة وجه غير مقرفةملساء ليس بها خال ولا ندب
وقال الأخفش : المسنون : المنصوب القائم، من قولهم : وجه مسنون إذا كان فيه طول. والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بلّ، صار طيناً، فلما أنتن صار حمأً مسنوناً، فلما يئس صار صلصالاً. فأصل الصلصال : هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال : خلق الإنسان من ثلاث : من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون، فالطين اللازب : اللازم الجيد، والصلصال : المدقق الذي يصنع منه الفخار، والحمأ المسنون : الطين الذي فيه الحمأة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال : الصلصال : الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها، فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الصلصال : هو التراب اليابس الذي يبلّ بعد يبسه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الصلصال : طين خلط برمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. قال : الصلصال : الذي إذا ضربته صلصل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. قال : الصلصال : الطين تعصر بيدك، فيخرج الماء من بين أصابعك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿منْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال : من طين رطب. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً ﴿منْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال : من طين منتن. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الجان : مسيخ الجنّ، كالقردة والخنازير مسيخ الإنس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال : الجان : هو إبليس، خلق من قبل آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿والجان خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ قال : من أحسن النار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال : نار السموم : الحارة التي تقتل. وأخرج الطيالسي، والفريابي، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : السموم. التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ :﴿والجان خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾.
وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال : أراد [ أن ] إبليس لا يذوق الموت فقيل : إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، قال : النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن سيرين ﴿هَذَا صراط عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي : رفيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ بعدد أطباق جهنم كما قدّمنا. وأخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وهناد، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث من طرق عن عليّ قال : أطباق جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، فيملأ الأوّل، ثم الثاني، ثم الثالث حتى تملأ كلها، وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :( بجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي ) وقد ورد في صفة النار أحاديث وآثار. وأخرج ابن مردويه، والخطيب في تاريخه عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :( في قوله تعالى :﴿لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ﴾ قال : جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى