المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ الآية، ﴿الإنسان﴾ هنا للجنس، والمراد آدم، قال ابن عباس سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي، ودخل من بعده في ذلك إذ هو من نسله، و «الصلصال » : الطين الذي إذا جف صلصل، هذا قول فرقة، منها من قال : هو طين الخزف، ومنها قول الفراء : هو الطين الحر يخالطه رمل دقيق.
وقال ابن عباس : خلق من ثلاثة : من طين لازب وهو اللازق والجيد، ومن ﴿صلصال﴾ وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف، ومن ﴿حمإ مسنون﴾ وهو الطين في الحمأة.
قال القاضي أبو محمد : وكان الوجه أن يقال - على هذا المعنى - صلال، ولكن ضوعف الفعل من فائه وأبدلت إحدى اللامين من صلاص صاداً. وهذا مذهب الكوفيين، وقاله ابن جني والزبيدي ونحوهما على البصرة، ومذهب جمهور البصريين : إنهما فعلان متباينان، وكذلك قالوا في ثرة وثرثارة. قال بعضهم تقول : صل الخزف ونحوه : إذا صوت بتمديد : فإذا كان في صوته ترجيع كالجرس ونحوه قلت : صلصل، ومنه قول الكميت :[ البسيط ]
فينا العناجيج تردي في أعنتها. . . شعثاً تصلصل في أشداقها اللجم(١)
وقال مجاهد وغيره :﴿صلصال﴾ هنا إنما هو مأخوذ من صل اللحم وغيره : إذا انتن.
قال القاضي أبو محمد : فجعلوا معنى ﴿صلصال﴾ ومعنى ﴿حمإ﴾ في لزوم أنتن شيئاً واحداً.
قال القاضي أبو محمد : و «الحمأ » جمع حمأة وهو الطين الأسود المنتن يخالطه ماء. و «المسنون » قال معمر : هو المنتن، وهو من أسن الماء إذا تغير.
قال القاضي أبو محمد : والتصريف يرد هذا القول. وقال ابن عباس :«المسنون » : الرطب.
قال القاضي أبو محمد : وهذا تفسير لا يخص اللفظة. وقال الحسن، المعنى : سن ذريته على خلقه. والذي يترتب في ﴿مسنون﴾ إما أن يكون بمعنى محكوك محكم العمل أملس السطح، فيكون من معنى المسن والسنان، وقولهم : سننت السكين وسننت الحجر : إذا أحكمت تمليسه، ومن ذلك قول الشاعر :[ الخفيف ]
ثم دافعتها إلى القبة الخضرا. . . ء وتمشي في مرمر مسنون(٢)
أي محكم الإملاس بالسن، وإما أن يكون بمعنى المصبوب، تقول : سننت التراب والماء إذا صببته شيئاً بعد شيء، ومنه قول عمرو بن العاص لمن حضر دفنه : إذا أدخلتموني في قبري فسنوا علي التراب سناً، ومن هذا : هو سن الغارة. وقال الزجاج : هو مأخوذ من كونه على سنة الطريق، لأنه إنما يتغير إذا فارق الماء، فمعنى الآية - على هذا - من حمأ مصبوب موضوع بعضه فوق بعض على مثال وصورة.
١ العناجيج: جمع عنجوج، و هو الرائع من الخيل، وقد استعمل في الإبل أيضا، ولكن الوصف هنا للخيل، و معنى تردي أنها ترجم الأرض في عدوها، نقل صاحب اللسان عن الأصمعي قوله: إذا عدا الفرس فرجم الأرض رجما قيل: ردى بالفتح يردي رديا ورديانا، والشعث: التي تلبد شعرها واغبر، وصلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف، قال الليث (ونقله عنه في اللسان): يقال: صل اللجام إذا توهمت في صوته حكاية صوت صل، فإن توهمت ترجيعا قلت: صلصل اللجام، وهو ما قاله ابن عطية هنا واستشهد عليه بالبيت..
٢ نسب هذا البيت إلى عبد الرحمن بن حسان، وذلك أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: ألا ترى إلى عبد الرحمن يشبب بابنتك؟ فقال معاوية: ما قال؟ فقال: قال:
هي زهراء مثل لؤلؤة الغ واص ميزت من جوهر مكنون
فقال معاوية: صدق، فقال يزيد: إنه يقول:
و إذا ما نسبتها لم تجدها في سناء من المكارم دون
قال: وصدق، قال: فأين قوله:
ثم خاصرتها إلى القبة الخض راء تمشي في مرمر مسنون
قال معاوية: كذب.
قال ابن بريك وتروى هذه الأبيات لأبي رهبل، وهي في شعره، يقولها في رملة بنت معاوية، وأول القصيدة:
طال ليلى وبت كالمجنون و مللت الثواء بالماطرون.
(راجع اللسان ـ سنن) فللخبر بقية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى