البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
والعرب تقول : طريقك في هذا الأمر على فلان أي : إليه يصير النظر في أمرك.
وقال الزمخشري : هذا طريق حق عليّ أن أراعيه، وهو أن يكون لك سلطان على عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته انتهى.
فجعل هذا إشارة إلى انتفاء تزيينه وإغوائه.
وكونه ليس له عليهم سلطان، فكأنه أخذ الإشارة إلى ما استثناه إبليس، وإلى ما قرره تعالى بقوله : إن عبادي.
وتضمن كلامه مذهب المعتزلة.
وقال صاحب اللوامح : أي : هذا صراط عهدة استقامته عليّ.
وفي حفظه أي : حفظه عليّ، وهو مستقيم غير معوج.
وقال الحسن : معنى عليّ إليَّ.
وقيل : عليّ كأنه من مرّ عليه مرّ عليّ أي : على رضواني وكرامتي.
وقرأ الضحاك، وإبراهيم.
وأبو رجاء، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، وقيس بن عباد، وحميد، وعمرو بن ميمون، وعمارة بن أبي حفصة، وأبو شرف مولى كندة، ويعقوب : عليّ مستقيم أي : عال لارتفاع شأنه.
وهذه القراءة تؤكد أنّ الإشارة إلى الإخلاص وهو أقرب إليه.
والإضافة في قوله : إنّ عبادي، إضافة تشريف أي : أنّ المختصين بعبادتي، وعلى هذا لا يكون قوله : إلا من اتبعك، استثناء متصلاً، لأنّ من اتبعه لم يندرج في قوله : إنّ عبادي : وإنْ كان أريد بعبادي عموم الخلق فيكون : إلاّ من اتبعك استثناء من عموم، ويكون فيه دلالة على استثناء الأكثر، وبقاء المستثنى منه أقل، وهي مسألة اختلف فيها النحاة.
فأجاز ذلك الكوفيون وتبعهم من أصحابنا الأستاذ أبو الحسن بن خروف، ودلائل ذلك مسطرة في كتب النحو.
والذي يظهر أنّ إبليس لما استثنى العباد المخلصين كانت الصفة ملحوظة في قوله : إنّ عبادي أي : عبادي المخلصين الذين ذكرتهم ليس لك عليهم سلطان.
ومن في الغاوين لبيان الجنس أي : الذين هم الغاوون.
وقال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما تقول العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة.
قال : وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى