اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب.
وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ -رضي الله عنه- لما سمع قوله تعالى :﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال : يا رسول الله، نزلت هذه الآية :﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي فأنزل الله –تعالى- ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- :[ أراد ](١) بالمتقين : الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين(٢).
وهو الصحيح ؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى ؛ لأنَّ الآتي بفردِ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى ؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار.
وإذا ثبت هذا فنقول : أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول الحكم بدخول الجنة.
وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ : المتقين : هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا : لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلاَّ من [ كان ](٣) كذلك.
واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ ؛ لقوله تعالى :﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم قال :﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فيكون [ المجموع ](٤) أربعة.
قوله :" وعُيُونٍ " : قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان : بكسر عين " عِيُونٍ " منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع ؛ والباقون(٥) : بالضمِّ، وهو الأصل.

فصل


الجنَّاتُ : البَساتِينُ، والعُيونُ : يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكورة في قوله تعالى :﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار.
١ في أ: المراد..
٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٩/١٥٢)..
٣ في ب: هو..
٤ في أ: مجموعها..
٥ ينظر: التيسير ١٣٦، والنشر ٢/٢٢٦، والإتحاف ٢/١٧٦، والبحر ٥/٤٤٥، والدر المصون ٤/٢٩٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى