اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:قوله :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يحتمل أن يعود الضمير إلى المقتسمين ؛ لأنه الأقرب، ويحتمل أن يعود إلى جميع المكلفين، لأنَّ ذكرهم تقدَّم في قوله تعالى :﴿وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين﴾ أي : لجميع [ الخلائق ](١).
﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قال القرطبي : في البخاري : قال عدَّة من أهل العلم في قوله تعالى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(٢) عن لا إله إلا الله.
فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وبين قوله :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩].

فأجابوا بوجوه :

أولها : قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : لا يسألون سؤال استفهامٍ ؛ لأنه تعالى عالم بكلِّ أعمالهم، بل سؤال تقريع، فيقال لهم : لم فعلتم كذا ؟(٣).
وهذا ضعيف ؛ لأنه لو كان المراد من قوله :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ﴾ [الرحمن: ٣٩] سؤال استفهام، لما كان في تخصيص هذا النفي بقولهم " يَومئِذٍ " فائدة ؛ لأنَّ مثل هذا السؤال على الله محالٌ في كلِّ الأوقات.
وثانيها : أنه يصرف للنفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر ؛ لأنَّ يوم القيامة، يوم طويل، وفيه مواقف يسألون في بعضها، ولا يسألون في بعضها، قاله عكرمة عن ابن عباس(٤) ونظيره قوله تعالى :﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، وقال في آية أخرى :﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١].
ولقائلٍ ِأن يقوله : قوله :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ﴾ الآية : تصريحٌ بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء اليوم، لحصل التَّناقض.
وثالثها : أن قوله :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ﴾ تفيد الآية النَّفي، وفي قوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ يعود إلى المقتسمين، وهذا خاص فيقدم على العام.
١ في أ: الخلق..
٢ سقط من: ب..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٨٥) والرازي (١٩/١٧٠)..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٨٦)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى