زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا﴾ قال مجاهد : نزلت في أعراب بني أسد ابن خزيمة. ووصف غيره حالهم، فقال : قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على رسول الله ﷺ فيقولون : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت فيهم هذه الآية. وقال السدي : نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الفتح وكانوا يقولون : آمنا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، فلما استُنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وقال مقاتل : كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله ﷺ قالوا : آمنا، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله ﷺ إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه.
قوله تعالى :﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي : لم تصدقوا ﴿وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ قال ابن قتيبة : أي : استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا. قال الزجاج : الإسلام : إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله ﷺ، وبذلك يُحقن الدم، فإن كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله :﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي : لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من القتل.
وقال مقاتل :" ولما " بمعنى " ولم " يدخل التصديق في قلوبكم.
قوله تعالى :﴿وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس : إن تخلصوا الإيمان ﴿لا يألتكم﴾ قرأ أبو عمرو :﴿يألتكم﴾ بألف وهمز ؛ وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة. وقرأ الباقون :﴿يَلِتْكُمْ﴾ بغير ألف ولا همزة. فقراءة أبي عمرو من ألت يألت، وقراءة الباقين من لات يليت. قال الفراء : وهما لغتان، قال الزجاج : معناهما واحد. والمعنى : لا ينقصكم. وقال أبو عبيدة : فيها ثلاث لغات : ألت يألت، تقديرها : أفك يأفك، وألات يُليت، تقديرها : أقال يُقيل، ولات يُليت، قال رؤبة :
وليلة ذات ندى سريتولم يلتني عن سراها ليت
قوله تعالى :﴿مّنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي : من ثوابها. ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى