محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٤ من سورة الحجرات في ١٢٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٤ من سورة الحجرات

١٢٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ تُؤْمِنُواْ وَلََكِن قُولُوَاْ أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : قالت الأعراب : صدّقنا بالله ورسوله، فنحن مؤمنون، قال الله لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهم لَمْ تُؤْمِنُوا ولستم مؤمنين وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا. وذُكر أن هذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : قالَتِ الأَعْرَابُ آمَنّا قال : أعراب بني أسد بن خُزيمة.
واختلفت أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبيّ ﷺ : قل لهؤلاء الأعراب : قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، فقال بعضهم : إنما أمر النبيّ ﷺ بذلك، لأن القوم كانوا صدّقوا بألسنتهم، ولم يصدّقوا قولهم بفعلهم، فقيل لهم : قولوا أسلمنا، لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري قالَتِ الأَعْرَاب آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا قال : إن الإسلام : الكلمة، والإيمان : العمل.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، وأخبرني الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال : أعطى النبيّ ﷺ رجالاً، ولم يعط رجلاً منهم شيئا، فقال سعد : يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا، ولم تُعط فلانا شيئا، وهو مؤمن، فقال النبيّ ﷺ :«أوْ مُسْلِمٌ » ؟ حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبيّ ﷺ يقول :«أوْ مُسْلِمٌ »، ثم قال النبيّ ﷺ «إنّي أُعْطِي رِجالاً وأَدَعُ مَنْ هُوَ أحَبّ إليّ مِنْهُمْ، لا أُعْطِيهِ شَيْئا مَخافَةَ أنْ يُكَبّوا فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : قَالتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا قال : لم يصدّقوا إيمانهم بأعمالهم، فردّ الله ذلك عليهم قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا، وأخبرهم أن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون، صدّقوا إيمانهم بأعمالهم فمن قال منهم : أنا مؤمن فقد صدق قال : وأما من انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل فقد كذب، وليس بصادق.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا قال : هو الإسلام.
وقال آخرون : إنما أمر النبيّ ﷺ بقيل ذلك لهم، لأنهم أرادوا أن يتسموا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثنى أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : قالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا. . . الاَية، وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمّوا باسم الهجرة، ولا يتسَمّوا بأسمائهم التي سماهم الله، وكان ذلك في أوّل الهجرة قبل أن تنزل المواريث لهم.
وقال آخرون : قيل لهم ذلك لأنهم منوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فقال الله لنبيه ﷺ : قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : قالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولعمري ما عمت هذه الاَية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن إنما أُنزلت في حيّ من أحياء الأعراب امتنوا بإسلامهم على نبيّ الله ﷺ، فقالوا : أسلمنا، ولم نقاتلك، كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال الله : لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا حتى بلغ في قلوبكم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا قال : لم تعمّ هذه الاَية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الاَخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، ولكنها في طوائف من الأعراب.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن رَباح، عن أبي معروف، عن سعيد بن جُبَير قالَت الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا قال : استسلمنا لخوف السباء والقتل.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد قُولُوا أسْلَمْنا قال : استسلمنا.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، وقرأ قول الله قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا استسلمنا : دخلنا في السلم، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم : لا إله إلاّ الله، وقال قال رسول الله ﷺ :«أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاّ اللّهُ، فإذا قالُوا لا إلَهَ إلاّ اللّهُ، عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلاّ بِحَقّها وَحِسابُهُمْ على اللّهِ ».
وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهريّ وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى : دخلنا في الملة والأموال، والشهادة الحقّ.
قوله : وَلمّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ يقول تعالى ذكره : ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان، وحقائق معانيه في قلوبكم.
وقوله : وَإنْ تُطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ أعمالِكُمْ شَيئا يقول تعالى ذكره : لنبيه محمد ﷺ : قل لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، إن تطيعوا الله ورسوله أيها القوم، فتأتمروا لأمره وأمر رسوله، وتعملوا بما فرض عليكم، وتنتهوا عما نهاكم عنه، لا يَلِتْكُمْ مِنْ أعمالِكُمْ شَيْئا يقول : لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا ولا ينقصكم من ثوابها شيئا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لا يَلِتْكُمْ لا ينقصكم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله لا يَلِتْكُمْ مِنْ أعمالِكُمْ شَيْئا يقول : لن يظلمكم من أعمالكم شيئا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في وَإنْ تُطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ قال : إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم. وقرأت قرّاء الأمصار لا يَلِتْكُمْ مِنْ أعمالِكُم بغير همز ولا ألف، سوى أبي عمرو، فإنه قرأ ذلك «لا يأَلَتْكُمْ » بألف اعتبارا منه في ذلك بقوله : وَما ألَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهمْ مِنْ شَيْءٍ فمن قال : ألت، قال : يألت. وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من لات يليت، كما قال رُؤبةُ بن العجاج :
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ
والصواب من القراءة عندنا في ذلك، ما عليه قرّاء المدينة والكوفة لا يَلِتْكُمْ بغير ألف ولا همز، على لغة من قال : لات يليت، لعلتين : إحداهما : إجماع الحجة من القرّاء عليها. والثانية أنها في المصحف بغير ألف، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع، لأنها ساكنة، والهمزة إذا سكنت ثبتت، كما يقال : تأمرون وتأكلون، وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها، ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب. وقد ذكرنا أن ألت ولات لغتان معروفتان من كلامهم.
وقوله : إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو عفو أيها الأعراب لمن أطاعه، وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأطيعوه، وانتهوا إلى أمره ونهيه، يغفر لكم ذنوبكم، رحيم بخلقه التائبين إليه أن يعاقبهم بعد توبتهم من ذنوبهم على ما تابوا منه، فتوبوا إليه يرحمكم. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور للذنوب الكثيرة أو الكبيرة، شكّ يزيد، رحيم بعباده.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رباح، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ لَمْ يَمْلأوهُ، إنَّ اللهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رباح، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "إنَّ أنْسابِكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسابٍّ عَلى أحَدٍ، وإنَّمَا أنْتُمْ وَلَدُ آدَمَ طَفَّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلأوهُ، لَيْسَ لأحَدٍ على أحَدٍ فضْلٌ إلا بِديْنٍ أوْ عَمَلٍ صالِحٍ حَسْبُ الرَّجُل أنْ يَكُونَ فاحِشا بَذيًّا بَخِيلا جَبانا".
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جُرَيْج، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس: " ثلاث آيات جحدهنّ الناس: الإذن كله، وقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وقال الناس أكرمكم: أعظمكم بيتا; وقال عطاء: نسيت الثالثة".
وقوله (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس ذو علم بأتقاكم عند الله وأكرمكم عنده، ذو خبرة بكم وبمصالحكم، وغير ذلك من أموركم، لا تخفى عليه خافية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾
يقول تعالى ذكره: قالت الأعراب: صدّقنا بالله ورسوله، فنحن مؤمنون، قال الله لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لهم (لَمْ تُؤْمِنُوا) ولستم مؤمنين (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا).
وذُكر أن هذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا) قال: أعراب بنى أسد بن خُزَيمة.
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، فقال بعضهم: إنما أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بذلك، لأن القوم كانوا صدّقوا بألسنتهم، ولم يصدّقوا قولهم بفعلهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا، لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) قال: إن الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، وأخبرني الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: أعطى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا، ولم تعط فلانا شيئا، وهو مؤمن، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أو مُسْلِمٌ؟ حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: أوْ مُسْلِمٌ، ثم قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إني أُعْطِي رِجالا وأَدَعُ مَنْ هُوَ أحَبُّ إليَّ مِنْهُمْ، لا أُعْطِيه شَيْئا مَخافَةَ أنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) قال: لم يصدّقوا إيمانهم بأعمالهم، فردّ الله ذلك عليهم (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، وأخبرهم أن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون، صدّقوا إيمانهم بأعمالهم; فمن قال منهم: أنا مؤمن فقد صدق; قال: وأما من انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل فقد كذب، وليس بصادق.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) قال: هو الإسلام.
وقال آخرون: إنما أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بقيل ذلك لهم، لأنهم أرادوا أن يتسموا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا)... الآية، وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمَّوا باسم الهجرة، ولا يتسَمَّوا بأسمائهم التي سماهم الله، وكان ذلك في أول الهجرة قبل أن تنزل المواريث لهم.
وقال آخرون: قيل لهم ذلك لأنهم منوا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإسلامهم، فقال الله لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) ولعمري ما عمت هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن إنما أنزلت في حيّ من أحياء الأعراب امتنوا بإسلامهم على نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالوا: أسلمنا، ولم نقاتلك، كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال الله: (لا تقولوا آمنا...)، (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) حتى بلغ (فِي قُلُوبِكُمْ).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) قال: لم تعمّ هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، ولكنها في طوائف
من الأعراب.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رَباح، عن أبي معروف، عن سعيد بن جُبَير (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) قال: استسلمنا لخوف السباء والقتل.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد (قُولُوا أَسْلَمْنَا) قال: استسلمنا.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) استسلمنا: دخلنا في السلم، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم: لا إله إلا الله، وقال قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أُمِرْتُ أنْ أُقاتِل النَّاس حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللهُ، فإذَا قالُوا لا إلَهَ إلا اللهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالهُمْ إلا بِحَقِّها وَحِسابُهُمْ على اللهِ".
وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهريّ، وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة والأموال، والشهادة الحق (١).
قوله (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) يقول تعالى ذكره: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان، وحقائق معانيه في قلوبكم.
وقوله (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، إن تطيعوا الله ورسوله أيها القوم، فتأتمروا لأمره وأمر رسوله،
(١) لعله دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة... إلخ.
وتعملوا بما فرض عليكم، وتنتهوا عما نهاكم عنه، (لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) يقول: لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا ولا ينقصكم من ثوابها شيئا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (لا يَلِتْكُمْ) لا ينقصكم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) يقول: لن يظلمكم من أعمالكم شيئا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) قال: إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم.
وقرأت قرّاء الأمصار (لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) بغير همز ولا ألف، سوى أبي عمرو، فإنه قرأ ذلك (لا يَأْلَتْكُمْ) بألف اعتبارا منه في ذلك بقوله (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) فمن قال: ألت، قال: يألت.
وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من لات يليت، كما قال رُؤبةُ بن العجاج:
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيتولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ (١)
والصواب من القراءة عندنا في ذلك، ما عليه قرّاء المدينة والكوفة (لا يَلِتْكُمْ) بغير ألف ولا همز، على لغة من قال: لات يليت، لعلتين: إحداهما: إجماع الحجة من القرّاء عليها. والثانية أنها في المصحف بغير ألف، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع، لأنها ساكنة، والهمزة إذا سكنت ثبتت، كما يقال:
(١) البيتان نسبهما المؤلف إلى رؤبة بن العجاج، ولم أجدهما في ديوانه ولا في ديوان أبيه العجاج. وأوردهما صاحب اللسان في (حنن) محمد ونسبهما على أبي الفقعسي. وقد استشهد بهما المؤلف مرة قبل هذه في (١٥: ٢) من هذه المطبوعة، عند أول سورة الإسراء. وشرحناهما شرحًا مفصلا يناسب هذه المقام، فراجعهما ثمة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد :﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وقد استفيد من هذه الآية الكريمة : أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، عليه السلام، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.
قال(١) الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال : أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئًا، فقال سعد : يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن ؟ فقال النبي ﷺ :" أو مسلم " حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي ﷺ يقول :" أو مسلم " ثم قال النبي ﷺ :" إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شيئًا ؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم ".
أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به(٢).
فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من " صحيح البخاري " ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقًا ؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على(٣) أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري، رحمه الله، ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله :﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي : استسلمنا خوف القتل والسباء. قال مجاهد : نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة : نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ.
والصحيح الأول ؛ أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، كما ذكر المنافقون في سورة براءة. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا :﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي : لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.
ثم قال :﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [ شَيْئًا ]﴾ (٤) أي : لا ينقصكم من أجوركم شيئا، كقوله :﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي : لمن تاب إليه وأناب.
١ - (١) في ت: "وروى"..
٢ - (٢) المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠)..
٣ - (٣) في ت: "إلى"..
٤ - (٤) زيادة من ت..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ (١) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرة زَوْجِ دُرَّةَ ابْنَةِ أَبِي لَهَبٍ، عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ قَالَتْ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ" (٢).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ (٣) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا أَعْجَبَهُ أَحَدٌ قَطُّ، إِلَّا ذُو تُقًى. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ (٤).
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِكُمْ، خَبِيرٌ بِأُمُورِكُمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب مَنْ يَشَاءُ، وَيُفَضِّلُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ، مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تُشْتَرَطُ، وَلَا يُشْتَرَطُ سِوَى الدِّينِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي "كِتَابِ الْأَحْكَامُ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: غَيْرُكَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، وَلَكَ مِنْهُ نَسَبُهُ.
﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
(١) في ت: "وروى".
(٢) المسند (٦/٤٣٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/٢٥٧) من طريق شريك به، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٦٣) :"رجالهما ثقات، وفي كلام بعضهم كلام لا يضر".
(٣) في ت: "وروى".
(٤) المسند (٦/٦٩).
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَوَّلَ مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَتَرَقَّى مِنَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ، ثُمَّ لِلْأَخَصِّ مِنْهُ.
قَالَ (١) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعط فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوْ مُسْلِمٌ" حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ (٢).
فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ مُنَافِقًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنَ الْعَطَاءِ وَوَكَلَهُ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى (٣) أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَسْتَحْكِمِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامًا أَعْلَى مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأُدِّبُوا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُنَافِقِينَ يُظهرون الْإِيمَانَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ امْتَنُّوا بِإِيمَانِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا وَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بَعْدُ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَعُنِّفُوا وَفُضِحُوا، كَمَا ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ تَأْدِيبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بَعْدُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا]﴾ (٤) أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١].
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب.
(١) في ت: "وروى".
(٢) المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠).
(٣) في ت: "إلى".
(٤) زيادة من ت.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا وَلَا تَزَلْزَلُوا، بَلْ ثَبَتُوا (١) عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمَحْضُ، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ (٢) وَنَفَائِسَ أَمْوَالِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: "إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ"، لَا كَبَعْضِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْكَلِمَةَ الظَّاهِرَةَ.
وَقَالَ (٣) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (٤) قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: [الَّذِينَ] (٥) آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ" (٦).
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أَيْ: أَتُخْبِرُونَهُ (٧) بِمَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أي: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] (٨) :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، يَعْنِي: الْأَعْرَابُ [الَّذِينَ] (٩) يُمَنُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَاكُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ (١٠).
وَقَالَ (١١) الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (١٢) قَالَ: جَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ إلى رسول الله ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، ولم تقاتلك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ (١٣) عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
(١) في ت: "تثبتوا".
(٢) في ت: "مهجتهم".
(٣) في ت: "وروى".
(٤) في ت: "أبي سعيد رضي الله عنه".
(٥) زيادة من ت، أ، والمسند.
(٦) المسند (٣/٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.
(٧) في ت: "أتخبرون".
(٨) زيادة من ت.
(٩) زيادة من ت، أ.
(١٠) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ الله عنه.
(١١) في ت: "وروى".
(١٢) زيادة من ت.
(١٣) في أ: "ينطق".
ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، غَيْرَ (١) هَذَا الْحَدِيثِ (٢).
ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَبَصَرِهِ بِأَعْمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
آخِرُ تَفْسِيرِ الحجرات، ولله الحمد والمنة
(١) في أ: "سوى".
(٢) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.
تَفْسِيرُ سُورَةِ ق
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُجُرَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ (١) : إِنَّهُ مِنْ (عَمّ) فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ (٢) فِيمَا نَعْلَمُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، بَابُ "تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ" ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا قُرَّان بْنُ تَمَّامٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ-ثُمَّ اتَّفَقَا. قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبة لَهُ -قَالَ مسَدَّد: وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٣) كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ-فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ (٤) وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسدَّد: بِمَكَّةَ-فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ (٥) عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا (٦) اللَّيْلَةَ! قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ". قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ (٧) يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ (٨).
إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ "ق". بَيَانُهُ: ثَلَاثٌ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ. وَخَمْسٌ: الْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةُ. وَسَبْعٌ: يُونُسُ، وَهُودٌ، وَيُوسُفُ، وَالرَّعْدُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحِجْرُ، وَالنَّحْلُ. وَتِسْعٌ: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنُّورُ، وَالْفُرْقَانُ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ: الشُّعَرَاءُ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، ولقمان، والم، السَّجْدَةِ، وَالْأَحْزَابُ، وَسَبَأٌ، وَفَاطِرٌ، وَيس. وَثَلَاثَ عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية،
(١) في م، أ: "العوام".
(٢) في أ: "المفسرين".
(٣) زيادة من م، أ.
(٤) في م، أ: "لا أساء".
(٥) في م: "أبطأ علينا".
(٦) في أ: "علينا".
(٧) في أ: "أبو".
(٨) سنن أبي داود برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٤٥)، والمسند (٤/٩).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٤-١٨ } ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
يخبر تعالى عن مقالة الأعراب، الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله ﷺ، دخولاً من غير بصيرة، ولا قيام بما يجب ويقتضيه الإيمان، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا : آمنا أي : إيمانًا كاملاً، مستوفيًا لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام، فأمر الله رسوله، أن يرد عليهم، فقال :﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أي : لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان، ظاهرًا، وباطنًا، كاملاً.
﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي : دخلنا في الإسلام، واقتصروا على ذلك.
﴿و﴾ السبب في ذلك، أنه ﴿لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وإنما آمنتم خوفًا، أو رجاء، أو نحو ذلك، مما هو السبب في إيمانكم، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم، وفي قوله :﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي : وقت هذا الكلام، الذي صدر منكم فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك، فإن كثيرًا منهم، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي، والجهاد في سبيل الله، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بفعل خير، أو ترك شر ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي : لا ينقصكم منها، مثقال ذرة، بل يوفيكم إياها، أكمل ما تكون لا تفقدون منها، صغيرًا، ولا كبيرًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي : غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به، حيث قبل توبته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٤-١٨} ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
يخبر تعالى عن مقالة الأعراب، الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخولا من غير بصيرة، ولا قيام بما يجب ويقتضيه الإيمان، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا: آمنا أي: إيمانًا كاملا مستوفيًا لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام، فأمر الله رسوله، أن يرد عليهم، فقال: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان، ظاهرًا، وباطنًا، كاملا.
﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: دخلنا في الإسلام، واقتصروا على ذلك.
﴿و﴾ السبب في ذلك، أنه ﴿لَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وإنما آمنتم خوفًا، أو رجاء، أو نحو ذلك، مما هو السبب في إيمانكم، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم، وفي قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: وقت هذا الكلام، الذي صدر منكم فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك، فإن كثيرًا منهم، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي، والجهاد في سبيل الله، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بفعل خير، أو ترك شر ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم منها، مثقال ذرة، بل يوفيكم إياها، أكمل ما تكون لا تفقدون منها، صغيرًا، ولا كبيرًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به، حيث قبل توبته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: على الحقيقة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهُم في سبيل الله﴾ أي: من جمعوا بين الإيمان والجهاد في سبيله، فإن من جاهد الكفار، دل ذلك، على الإيمان التام في القلب، لأن من جاهد غيره على الإسلام، والقيام بشرائعه، فجهاده لنفسه على ذلك، من باب أولى وأحرى؛ ولأن من لم يقو على الجهاد، فإن ذلك، دليل على ضعف إيمانه، وشرط تعالى في الإيمان عدم الريب، وهو الشك، لأن الإيمان النافع هو الجزم اليقيني، بما أمر الله بالإيمان به، الذي لا يعتريه شك، بوجه من الوجوه.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الجميلة، فإن الصدق، دعوى كبيرة في كل شيء يدعى يحتاج صاحبه إلى حجة وبرهان، وأعظم ذلك، دعوى الإيمان، الذي هو مدار السعادة، والفوز الأبدي، والفلاح السرمدي، فمن ادعاه، وقام بواجباته، ولوازمه، فهو الصادق المؤمن حقًا، ومن لم يكن كذلك، علم أنه ليس بصادق في دعواه، وليس لدعواه فائدة، فإن الإيمان في القلب لا يطلع عليه إلا الله تعالى.
فإثباته ونفيه، من باب تعليم الله بما في القلب، وهذا سوء أدب، وظن بالله، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهذا شامل للأشياء كلها، التي من جملتها، ما في القلوب من الإيمان والكفران، والبر والفجور، فإنه تعالى، يعلم ذلك كله، ويجازي عليه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
هذه حالة من أحوال من ادعى لنفسه الإيمان، وليس به، فإنه إما أن -[٨٠٣]- يكون ذلك تعليمًا لله، وقد علم أنه عالم بكل شيء، وإما أن يكون قصدهم بهذا الكلام، المنة على رسوله، وأنهم قد بذلوا له [وتبرعوا] بما ليس من مصالحهم، بل هو من حظوظه الدنيوية، وهذا تجمل بما لا يجمل، وفخر بما لا ينبغي لهم أن يفتخروا على رسوله به (١) فإن المنة لله تعالى عليهم، فكما أنه تعالى يمن (٢) عليهم، بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم (٣) من كل شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أي: الأمور الخفية فيهما، التي تخفى على الخلق، كالذي في لجج البحار، ومهامه القفار، وما جنه الليل أو واراه النهار، يعلم قطرات الأمطار، وحبات الرمال، ومكنونات الصدور، وخبايا الأمور.
﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يحصي عليكم أعمالكم، ويوفيكم إياها، ويجازيكم عليها بما تقتضيه رحمته الواسعة، وحكمته البالغة.
تم تفسير سورة الحجرات
بعون الله ومنه وجوده وكرمه،
فلك اللهم من الحمد أكمله وأتمه،
ومن الجود أفضله وأعمه (٤).
(١) في ب: لا ينبغي لهم الفخر به على رسوله.
(٢) في ب: هو المان.
(٣) في ب: أفضل.
(٤) في ب: بعد قوله وكرمه: والحمد لله.
تفسير سورة ق
وهي مكية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الْأَعْرَابُ
البَدْوُ.
لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ
لَا يَنْقُصْكُمْ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ.

إعراب الآية ١٤ من سورة الحجرات

من كتاب: إعراب القرآن

استحلال، وهو أعظم، كما روي أن رجلا قال لمحمد بن سيرين: إنّي قد اغتبتك فحلّلني فقال: إنّي لا أحلّ ما حرّم الله تعالى. وروى عقيل عن ابن شهاب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّما كرهت أن تقوله لأخيك في وجهه ثم قلته من ورائه فقد اغتبته» «١». أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً هذا الأصل ثم من خفّف قال: ميتا فَكَرِهْتُمُوهُ قال الكسائي: المعنى فكرهتموه فينبغي أن تكرهوا الغيبة. وقال محمد بن يزيد: أي فكرهتم أن تأكلوه فحمل على المعنى مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١].

[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٣]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى عامّ والذي بعده خاص لأن الشعوب والقبائل في العرب خاصّة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ روى عبد الرحمن في العرب خاصة قيل:
يا رسول الله من خير الناس؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» ؟ «٢» وقالت درّة: سئل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من خير الناس؟ قال: «أمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرّحم وأتقاهم» «٣» قال ابن عباس: ترك الناس هذه الآية: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقالوا: بالنسب. وقال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلهم نسبا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ليقم المتّقون فلا يقوم إلّا من كان كذلك.

[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١٤ الى ١٥]

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال محمد بن يزيد: هذا على تأنيث الجماعة أي قالت جماعة الأعراب قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا والإسلام في اللغة الخضوع والتذلّل لأمر الله جلّ وعزّ والتسليم له والإيمان والتصديق بكلّ ما جاء من عند الله جلّ وعزّ فإذا خضع لأمر الله سبحانه وتذلّل له فهو مصدّق، وإذا كان مصدّقا فهو مؤمن، ومن كان على هذه الصفة فهو مسلم مؤمن إلّا أن للإسلام موضعا أخر وهو الاستسلام خوف
(١) أخرجه مالك في الموطأ باب ٤- الحديث (١٠). [.....]
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٢٩)، وأحمد في مسنده ٤/ ١٨٨، و ٥/ ٤٠، والدارمي في سننه ٢/ ٣٠٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٣٧١.
(٣) أخرجه القرطبي في تفسيره ٤/ ٤٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٤ من سورة الحجرات

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. [١٤].
نزلت في أعراب من بني أسد بن خُزَيمة، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طرق المدينة بالعَذَرَات وأغْلَوْا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة. وجعلوا يمنون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.

القراءات في الآية ١٤ من سورة الحجرات

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

يَلِتْكُم

(يَئْلِتْكُمْ) بهمزة ساكنة بعد الياء واسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو

(يَالِتْكُمْ) بألف بعد الياء وإسكان الميم

السوسي عن أبي عمرو

(يَلِتْكُمْ) بحذف الألف والهمزة بعد الياء واسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر ورش عن نافع قالون عن نافع

(يَلِتْكُمُ) بحذف الألف والهمزة بعد الياء وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٩ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قتال أهل اليمامة حيث قال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح:١٦] يعني: قتال مسيلمة الكذاب وقومه بني حنيفة، ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إذا دُعيتم إلى قتالهم ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ يعني: لا يَنقُصُكم ﴿مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ الحسنة. يعني: جهاد أهل اليمامة، حين دعاهم أبو بكر، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يعني: ذُو تجاوُزٍ لِما كان قبل ذلك يوم الحُدَيبية، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم إذا فعلوا ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٨-٩٩.
٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، قال: إن تصدّقوا إيمانكم بأعمالكم يَقْبَل ذلك منكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٩٣.
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾ قال: لم يُصدِّقوا إيمانهم بأعمالهم، فردّ الله ذلك عليهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ وأخبرهم أنّ المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون، صدّقوا إيمانهم بأعمالهم؛ فمَن قال منهم: أنا مؤمن. فقد صدق. قال: وأمّا مَن انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل فقد كذب، وليس بصادق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٨٩-٣٩٠.
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وقرأ قول الله: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾: استَسْلمنا، دخلنا في السّلم، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم: لا إله إلا الله. وقال: قال رسول الله ﷺ: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٩٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في السبب الذي من أجله قيل للنبي ﷺ: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، على ثلاثة أقوال: الأول: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم كانوا صدَّقوا بألسنتهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعلِهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا؛ لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل. والثاني: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأنهم أرادوا أن يتسمَّوا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين. والثالث: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم مَنُّوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فقال الله لنبيّه ﷺ: قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل. وعلَّقَ ابنُ كثير (١٣/١٧٥) على القول الأول بقوله: «هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير». ورجَّحَ ابن جرير (٢١/٣٩٢)، وكذا ابنُ كثير القولَ الأولَ -وهو قول الزُّهريّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهما- استنادًا إلى ظاهر الآيات، والدلالة العقلية، فقال ابنُ جرير: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزُّهريّ، وهو أنّ الله تقدم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارًا منهم بالقول، ولم يحقّقوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق: آمنّا. دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا: آمنا بالله ورسوله. ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يُشْكِل على سامعيه، والذي قائله فيه محق، وهو أن يقولوا: أسلمنا. بمعنى: دخلنا في الملة، وحقنّا الدماء والأموال، بشهادة الحقّ». وقال ابنُ كثير (١٣/١٧٥): «الصحيح الأول، أنهم قوم ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأُدِّبوا وأُعلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعُنِّفوا وفُضِحُوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد». وهو ظاهر كلام ابن القيم (٣/٩ بتصرف)، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان؛ لوجوه: منها: أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا. والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها: أنه قال: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ ولم يقل: قال المنافقون. ومنها: أن هؤلاء الجُفاة الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحُجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظةً منهم وجفًاء لا نفاقًا وكفرًا. ومنها: أنه قال: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له. ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنّوا على رسول الله ﷺ، ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون. كما كذّبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] لَمّا لم تطابق شهادتُهم اعتقادهم. ومنها: أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقين لما منّ عليهم. ومنها: أنه قال: ﴿أنْ هَداكُمْ لِلإيمانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنّه نفى الإيمان المطلق، ومَنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ لما قسم القسم قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن! فقال: «أو مسلم» ثلاث مرات. وأثبت له الإسلام دون الإيمان. والمقصود: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٧١-٧٥).
٥
عن عبد الله بن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾. قال: لا يَنقُصُكم، بلغة بني عبس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الحطيئة العَبسيّ: أبْلِغ سَراة بني سعدٍ مُغَلْغلةً جَهْد الرِّسالة لا ألْتًا ولا كذِبًا!١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الطستي في مسائله.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾، قال: لا يظلمكم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾: لا يَنقُصُكم١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦١٢، وأخرجه الفريابي -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٣١٥-، وابن جرير ٢١‏/‏٣٩٣. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ لا يظلمكم من أعمالكم شيئًا، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: غفور للذنوب الكثيرة، رحيم بعباده١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٩٤. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٢١/٣٩٤) مبيّنًا معنى الآية استنادًا إلى أثر قتادة: «يقول -تعالى ذكره-: إن الله ذو عفوٍ -أيها الأعراب- لِمَن أطاعه، وتاب إليه مِن سالف ذنوبه، فأطيعوه، وانتهوا إلى أمره ونهيه، يغفر لكم ذنوبكم، ﴿رحيم﴾ بخلْقه التائبين إليه أن يعاقبهم بعد توبتهم من ذنوبهم على ما تابوا منه، فتوبوا إليه يرحمكم».
٩
عن عطاء الخُراسانيّ -من طريق يونس بن يزيد- في قول الله تعالى: ﴿لا يلتكم من أعمالكم شيئا﴾، قال: لا يظلمكم من أعمالكم شيئًا١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو جعفر الرملي في جزئه (تفسير عطاء) ص١١٩.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ الآية، قال: وذلك أنهم أرادوا أن يتسمَّوا باسم الهجرة، وألّا يتسمَّوا بأسمائهم التي سمّاهم الله، وكان هذا أول الهجرة قبل أن تنزل المواريث لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٩٠. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١١
عن سعيد بن جُبير -من طريق رباح بن أبي معروف- ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، قال: استَسْلمنا لخوف السّباء والقتْل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٩١.
١٢
عن مُغِيرة، قال: أتيتُ إبراهيم النَّخْعي، فقلتُ: إنّ رجلًا خاصمني في قوله تعالى: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، فقال: هو الاستسلام. فقال إبراهيم: لا، بل هو الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرج نحوه سعيد بن منصور في سننه -التفسير ٧‏/‏٣٩٥ (٢٠٢٩)، وابن جرير ٢١‏/‏٣٩٠، وإسحاق البستي ص٣٩٥ كلاهما مختصرًا. وذكره الحافظ في المطالب العالية (إشراف: د. سعد الشثري) ١٥‏/‏٢٤٢ (٣٧٢٠).
١٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، قال: استَسْلمنا مخافة القتْل والسبيِ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري ص٢٧٩، وإسحاق البستي ص٣٩٥ كلاهما من طريق قيس بن سعد، وابن جرير ٢١‏/‏٣٨٨. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢عَلَّقَ ابنُ تيمية (٦/٧٧) على هذا القول بقوله: «وأما ما نقل من أنهم أسلموا خوْف القتْل والسبي فهكذا كان إسلام غير المهاجرين والأنصار، أسلموا رغبة ورهبة، كإسلام الطُّلقاء من قريش بعد أن قهرهم النبي ﷺ، وإسلام المُؤلّفة قلوبهم من هؤلاء ومن أهل نَجد، وليس كل من أسلم لرغبة أو رهبة كان من المنافقين الذين هم في الدَّرْك الأسفل من النار، بل يدخلون في الإسلام والطاعة وليس في قلوبهم تكذيب ومعاداة للرسول، ولا استنارت قلوبهم بنور الإيمان ولا استبصروا فيه، وهؤلاء قد يحسن إسلام أحدهم فيصير من المؤمنين كأكثر الطُّلَقاء، وقد يبقى من فُسّاق الملة، ومنهم مَن يصير منافقًا مُرتابًا إذا قال له منكر ونكير: ما تقول في هذا الرجل الذي بعُث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُه. وقد تقدم قول مَن قال: إنهم أسلموا بغير قتال. فهؤلاء كانوا أحسن إسلامًا من غيرهم، وإنّ الله إنما ذمّهم لكوْنهم مَنُّوا بالإسلام وأنزل فيهم: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٢٣]، وأنهم من جنس أهل الكبائر. وأيضًا قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، و»لما«إنما يُنفى بها ما يُنتَظَر ويكون حصوله مترقّبًا؛ كقوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة:٢١٥]، فقوله: ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ يدل على أنّ دخول الإيمان منتظرٌ منهم؛ فإنّ الذي يدخل في الإسلام ابتداء لا يكون قد حصل في قلبه الإيمان، لكنه يحصل فيما بعد كما في الحديث: كان الرجل يُسلم أول النهار رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحبّ إليه مما طلعت عليه الشمس. ولهذا كان عامة الذين أسلموا رغبة ورهبة دخل الإيمان في قلوبهم بعد ذلك، وقوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ أمرٌ لهم بأن يقولوا ذلك والمنافق لا يؤمر بشيء، ثم قال: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا﴾ والمنافق لا تنفعه طاعة الله ورسوله حتى يؤمن أولًا».
١٤
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾، قال: أراد١ أن يتسمَّوا باسم الهجرة، فنهاهم الله عن ذلك، وكان سمّاهم مسلمين، فأمرهم الله أن لا يتسمَّوا باسم الهجرة، وأمرهم أن يتسمَّوا باسمهم الذي سماهم به، وكان هذا في أول الهجرة قبل أن تنزل المواريث لهم٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، ولعلها: أرادوا.
  2. ٢أخرجه إسحاق البستي ص٣٩٦.
١٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾ الآية، قال: لم تَعمّ هذه الآية الأعراب، ولكنها لطوائف من الأعراب١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٣، وابن جرير ٢١‏/‏٣٩١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٦
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾: ولكن قولوا: السيف١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٢٦٦-.
١٧
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- في الآية، قال: نرى أنّ الإسلام الكلمة، والإيمان العمل١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٥، وابن جرير ٢١‏/‏٣٨٩ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٨
عن داود بن أبي هند، أنّه سُئل: عن الإيمان. فتَلا هذه الآية: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، قال: الإسلام: الإقرار، والإيمان: التصديق١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
١٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾ يعني: صدَّقنا. ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ لم تُصدّقوا ﴿ولكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ يعني: قولوا: أقْرَرنا باللسان، واستَسْلمنا لِتَسْلَمَ لنا أموالُنا، ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يعني: ولَمّا يدخل التصديق١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٨/٢٥-٢٦ بتصرف): «هم أعراب مخصوصون، وقد أخبر الله تعالى أنّ في الأعراب على الجملة مَن يؤمن بالله واليوم الآخر، فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول لهؤلاء المُدَّعين في الإيمان:﴿لم تؤمنوا﴾ أي: لم تصدِّقوا بقلوبكم، ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والإسلام يقال بمعنيين: أحدهما: الدّين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:١٩]، والذي في قوله ﷺ: «بُني الإسلام على خمس». والذي في تعليم النبي ﷺ لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان». والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: «أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» الحديث. فهذا الإسلام ليس هو في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾، والإيمان الذي هو التصديق أخص من الأول». وقال ابنُ كثير (١٣/١٧٤): «قد استُفِيد من هذه الآية الكريمة أنّ الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقّى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه».

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ شهر رمضان فُرِض عليكم صيامُه، والصلاة بالليل بعد الفريضة نافلة لكم، والله يقول: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢
عن سعد بن أبي وقاص: أنّ نَفرًا أتَوا رسول الله ﷺ، فأعطاهم إلا رجلًا منهم، فقلتُ: يا رسول الله: أعطيتَهم وتركتَ فلانًا! واللهِ، إنِّي لَأراه مؤمنًا. فقال رسول الله ﷺ: «أو مسلمًا» قال ذلك ثلاثًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏١٤ (٢٧)، ٢‏/‏١٢٤ (١٤٧٨)، ومسلم ١‏/‏١٣٢-١٣٣ (١٥٠)، وعبد الرزاق ٣‏/‏٢٢٥ (٢٩٤١)، وابن جرير ٢١‏/‏٣٨٩، والثعلبي ٩‏/‏٨٩.
٣
عن سعد: أنّ رسول الله ﷺ قسَم قَسْمًا، فأعطى أُناسًا ومنع آخرين، فقلت: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا وفلانًا، ومنعتَ فلانًا وهو مؤمن! فقال: «لا تقُل: مؤمن. ولكن قُل: مسلم»١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي (٤٩٩٣).
٤
عن زيد السُلَمي، قال: قال النبي ﷺ للحارث بن مالك: «كيف أصبحتَ، يا حارث بن مالك؟». قال: من المؤمنين. قال: «اعلم ما تقول». قال: مؤمن حقًّا. قال: «فإنّ لكلّ حقٍّ حقيقته؛ فما حقيقة ذلك؟». قال: أظمأتُ نهاري، وأسهرتُ ليلي، وعزفْتُ عن الدنيا، حتى كأنِّي أنظر إلى العرش حين جاء به، وكأني أنظر إلى عذاب أهل النار في النار، وتزاوُر أهل الجنة في الجنة. قال: «عرفتَ، يا حارث بن مالك؛ فالزم. عبدٌ نوَّر الله الإيمان في قلبه». قال: يا رسول الله، ادعُ الله لي بالشهادة. فدعا له، قال: فأُغير على سرح المدينة، فخرج فقاتل حتى قُتل١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٤، وعبد الله بن المبارك في كتاب الزهد ص١٠٦.
٥
عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه ١‏/‏٤٥-٤٦ (٦٥). وأورده الثعلبي ١‏/‏١٤٦. قال ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏١٢٩: «هذا حديث موضوع، لم يقُله رسول الله ﷺ. قال الدارقطني: المتهم بوضع هذا الحديث أبو الصلت الهروي، وابن عبد السلام بن صالح». وقال ابن القيسراني في تذكرة الحفاظ ص٤١١-٤١٢ (١٠٧٠): «رواه علي بن موسى الرضا، عن آبائه، وكان يأتي عن آبائه بالعجائب». وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ١‏/‏١٢ (٢٣): «أبو الصلت هذا مُتفق على ضعفه، واتّهمه بعضهم». وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١‏/‏٣٧: «موضوع». وقال الألباني في الضعيفة ٥‏/‏٢٩٥ (٢٢٧١): «موضوع».
٦
عن أنس، عن النبيِّ ﷺ، قال: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب». ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، ويقول: «التقوى ههنا، التقوى ههنا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٩‏/‏٣٧٤ (١٢٣٨١). قال ابن القيسراني في تذكرة الحفاظ ص١٥٨-١٥٩ (٣٧٢): «رواه علي بن مسعدة الباهلي، عن قتادة، عن أنس، وعلي ينفرد بما لا يتابع عليه». وقال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٥٢ (١٦٠): «رواه أحمد، وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثّقه ابن حبان، وأبو داود الطيالسي، وأبو حاتم، وابن معين، وضعّفه آخرون». وقال المناوي في التيسير ١‏/‏٤٢٤ عن إسناد ابن أبي شيبة: «إسناد حسن». وقال في فيض القدير ٣‏/‏١٧٩ (٣٠٦٠): «قال عبد الحق: حديث غير محفوظ، تفرّد به علي بن مسعدة، وفي توثيقه خلف. قال أبو حاتم: لا بأس به. والبخاري: فيه نظر. وابن عدي: أحاديثه غير محفوظة». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏٩٤٤ (٦٩٠٦): «منكر».

قراءات

٣ أقوال
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- ‹لايَألِتْكُمْ›: لا ينقصكم١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٣٩٦. وهي قراءة متواترة، قرأ بها السوسي عن أبي عمرو، وقرأ الدوري عن أبي عمرو ويعقوب: ‹لا يَأْلِتْكُمْ› بالهمز، وقرأ بقية العشرة: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ بكسر اللام من غير همز. انظر: النشر ٢‏/‏٣٧٦، والإتحاف ص٥١٣.
٢
عن النضر، عن هارون قال: قراءة أهل الكوفة: ﴿لايَلِتْكُمْ﴾ يقول: لا يَنقُصُكم، قال هارون: وقال أبو عمرو: ﴿ومَآ ألَتْناهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وقد ألتته -بتائين شديدة- أي: شدّ عليه. وقال: قام رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا عمر، اتق الله. فقال رجل: مَهلًا، لا تأْلت أمير المؤمنين. فقال عمر: دعوا الرجل، فإنهم لن يزالوا بخير ما قالوها، ولن نَزل بخير ما قيلت لنا أو قبلناها١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص ٣٩٦.
٣
عن عاصم، أنه قرأ: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ بغير ألف، ولا همزة، مكسورة اللام١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢اخْتُلِف في قراءة قوله تعالى: ﴿يلتكم﴾ على وجهين: الأول: بغير همز ولا ألف، هكذا ﴿يَلِتْكُمْ﴾، مِن: لاتَ يَلِيتُ، بمعنى: نقص. وهي قراءة الجمهور. والثاني: بهمزة وألف، هكذا ‹يَأْلِتْكُمْ›، مِن: ألَتَ يَأْلَت، بمعنى: لات. علَّقَ ابنُ جرير على الوجه الثاني بقوله (٢١/٣٩٣): «اعتبارًا منه في ذلك بقوله: ﴿وما ألَتْناهُمْ مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]». ورجَّحَ ابنُ جرير (٢١/٣٩٤) الوجه الأول استنادًا إلى رسم المصحف، وإجماع الحجة من القراء، واللغة، فقال: «والصواب من القراءة عندنا في ذلك ما عليه قراء المدينة والكوفة: ﴿لا يلتكم﴾ بغير ألف ولا همز، على لغة مَن قال: لات يليت؛ لعلّتين: إحداهما: إجماع الحجة من القراء عليها. والثانية: أنها في المصحف بغير ألف، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع؛ لأنها ساكنة، والهمزة إذا سكنت ثبتت، كما يقال: تأْمُرون وتأْكُلون، وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها. ولا يُحْمَلُ حرفٌ في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب، وقد ذكرنا أن ألَت ولات لغتان معروفتان من كلامهم».

نزول الآية

٥ أقوال
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قوله: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾، قال: أعراب بني أسَد بن خزيمة١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦١٢، وأخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٨٨. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾، قال: نَزَلتْ في بني أسَد١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾ قال: لَعمْري، ما عمّت هذه الآية الأعراب، إنّ من الأعراب لَمَن يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن إنما أُنَزِلتْ في حيٍّ مِن أحياء العرب مَنُّوا بالإسلام على النبيِّ ﷺ، وقالوا: أسْلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان. فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٩١. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حميد.
٤
قال إسماعيل السُّدّيّ: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾ نَزَلتْ في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مُزينة، وجُهينة، وأسْلَم، وأشْجَع، وغِفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله. ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استُنفِروا إلى الحُدَيبية تخلّفوا؛ فأنزل الله: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٨٩، وتفسير البغوي ٧‏/‏٣٥٠.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نَزَلتْ في أعراب جُهينة، ومُزينة، وأسْلَم، وغِفار، وأشْجَع، كانت منازلهم بين مكّة والمدينة، فكانوا إذا مرّتْ بهم سَرِيَّةٌ مِن سَرايا النبي ﷺ قالوا: آمنّا. ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وكان يومئذٍ مَن قال: لا إله إلا الله. يأمن على نفسه وماله، فمرّ بهم خالد بن الوليد في سَريّة للنبي ﷺ، فقالوا: آمنّا. فلم يَعرض لهم، ولا لأموالهم، فلما سار النبي ﷺ إلى الحُدَيبية واستنفَرهم معه قال بعضهم لبعض: إنّ محمدًا وأصحابه أكَلة رأس لأهل مكة، وإنهم كلفوا شيئًا لا يرجعون عنه أبدًا، فأين تذهبون تقتلون أنفسكم؟! انتظروا حتى ننظر ما يكون من أمره. فذلك قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]؛ فنَزَلتْ فيهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٨.
التفسير بالمأثور لسورة الحجرات كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٤ من سورة الحجرات

٨ وقفات في هذه الآية

  • " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " العبرة في الأشياء بالمسمى الذي هو حقيقة الشي لا بالاسم الظاهر .. فالإيمان اعتقاد وقول وعمل ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة .. فليس بالادعاء أو باللسان فقط أو بالقلب فقط أو الإقرار فقط .

    — ابو حمزة الكناني

  • فائدة لغوية : قال العثيمين : " لما يدخل " ولم يقل : " ولم يدخل " ؟! قال العلماء : إذا أتت ( لما ) بدل ( لم ) كان ذلك دليلا على قرب وقوع ما دخلت عليه ، فمثلا إذا قلت : ( فلان لما يدخلها ) أي أنه قريب منها ، ومنه قوله تعالى : " بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب " أي لم يذوقوه، ولكن قريب منه، وهنا قال : " لما يدخل " أي : لم يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولكنه قريب من الدخول ...

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • تطبيقات تدبرية سورة الحجرات أية 14

    — فريد الانصاري

  • تأملات قرآنية من تفسير ابن كثير/’,

    — سعد الحجري

  • برنامج تـــأمـــلات قــرآنــية

    — أحمد القطان

  • تدبرات فى سورة الحجرات

    — حازم شومان

  • ضوءٌ من الحجرات الحلقة الرابعة والعشرون معنى الإيمان الحقيقي سورة الحجرات أية 14

    — أحمد بن عودة وصلاح بن ربيع

  • قوله تعالى: (قَالَتِ الَأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا. .) . المنفيُّ هنا: الِإيمانُ بالقلبِ، والمُثْبتُ: الانقيادُ ظاهراً، فهما في اللغةِ متغايران بهذا الاعتبار، كما أنهما في الشرع مختلفان مفهوماً، متَّحدانِ صدقاً، إذِ الِإيمانُ هو التصديقُ بالقلب، بشرط التلفظِ بالشهادتين، والِإسلامُ بالعكس.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

فتاوى متعلقة بالآية ١٤ من سورة الحجرات

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٤ من سورة الحجرات

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(14) The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds[1522] of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."
[1522]- i.e., the reward thereof.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال