مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله﴾ تم اسم «إن » عند قوله ﴿رَسُولِ الله﴾ والمعنى يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيماً له ﴿أولئك﴾ مبتدأ خبره ﴿الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾ وتم صلة ﴿الذين﴾ عند قوله ﴿للتقوى﴾ و ﴿أولئك﴾ مع خبره خبر «إن ». والمعنى أخلصها للتقوى من قولهم «امتحن الذهب وفتنة » إذا أذابه فخلص ابريزه من خبثه ونقاه، وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة وعن عمر رضي الله عنه : أذهب الشهوات عنها. والامتحان افتعال من محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ جملة أخرى قيل : نزلت في الشيخين رضي الله عنهما لما كان منهما من غض الصوت، وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسماً ل «إن » المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره دالة على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم.