التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم مدح - سبحانه - الذين يغضون أصواتهم فى حضرة الرسول - ﷺ - فقال :﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى...﴾.
وقوله :﴿يَغُضُّونَ﴾ بمعنى يخفضون. يقال : غض فلان من صوته ومن طرفه إذا خفضه. وكل شئ كففته عن غيره فقد غضضته.
وقوله :﴿امتحن﴾ أى : اختبر وأخلص، وأصله من امتحان الذهب وإذابته ليخلص جيده من خبيثه، والمراد به هنا : إخلاص القلوب لمراقبة الله وتقواه.
أى : إن الذين يخفضون أصواتهم فى حضرة رسول الله - صلى الله علهي وسلم - وعند مخاطبتهم له. أولئك الذين يفعلون ذلك، هم الذين أخلص الله - تعالى - قلوبهم لتقواه وطاعته، وجعلها خالصة من أى شئ سوى هذه الخشية والطاعة.
قال صاحب الكشاف :﴿امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾ من قولك : امتحن فلان لأمر كذا وجرب له، ودرب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وان عنه، والمعنى : أنهم صبروا على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها. أو وضع الامتحان موضع المعرفة، لأن تحقق الشئ باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل : عرف الله قلوبهم للتقوى.
وقوله :﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بشارة عظيمة من الله - تعالى - لهم. أى : لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله - ﷺ - مغفرة لذنوبهم، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى الله - تعالى -.
ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب فى حياة النبى - ﷺ - بوعد مماته، فقد سمع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - رجلا يرفع صوته فى المسجد النبوى : فقال له : من أين أنت - أيها الرجل - ؟ فقال : من الطائف، فقال له : لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى