المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره، وهم ﴿الذين يغضون أصواتهم﴾ عند النبي ﷺ. وغض الصوت : خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير :[ الوافر ]
فغض الطرف إنك من نمير. . . (١)
وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار(٢)، وأن النبي ﷺ كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ، لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه(٣). و :﴿امتحن الله﴾ معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب : امتحن للتقوى أذهب عنها الشهوات.
قال القاضي أبو محمد : من غلب شهوته وغضبه، فذلك الذي ﴿امتحن الله﴾ قلبه للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة.
١ هذا صدر بيت قاله جرير يهجو الراعي النُّميري، والبيت بتمامه:
فغُض الطرف إنك من نُمير فلا كعبا ولا كِلابا
وهو من قصيدته البائية التي بدأها بقوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا
والبيت في الديوان، والكتاب لسيبويه، والعيني، وابن يعيش، والهمع، والأشموني، وشرح واهد الشافية، والتصريح، وفي الكامل للمبرد:(فغض) بكسر الضاد، وفي الخزانة: فغُض بالفتح والكسر والضم، والنحويون يستشهدون به على جواز الفتح في (غض) المضعف لالتقاء الساكنين، وقد قيل: هو أهجى بيت قالته العرب:.

٢ ذكره الواحدي في (أسباب النزول)، وأخرجه البزار، وابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر رضي الله عنه، وأخرجه الحاكم، والبيهقي في (المدخل) من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم..
٣ جاء في ذلك في حديث ابن أبي مليكة الذي رواه البخاري وذكرناه قبل ذلك، وفيه أن ابن الزبير رضي الله عنهما قال:"فما كان عمر يُسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه"، وفي الخبر أنه لم يذكر ذلك عن جده أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، راجع صفحة(٤٨٣) من هذا الجزء..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى