اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله ( تعالى )(١) :﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحجرات﴾ هذا بيان لحال من كان في ( مقابلة(٢) من تقدم، فإن الأول غَضَّ صوته، والآخر رفعه، وفيه إشارة إلى ترك الأدب من وجوه :)
أحدها : النداء، فإن نداء الرجل الكبير قبيح بل الأدب الحضور بين يديه وعرض الحاجة إليهِ.
الثاني : النداء من وراء الحجرات، فإن من ينادي غيره ولا حائل بينهما لا يكلفه المَشْيَ والمجيء بل يجيئه من مكانه وكلمه ومن ينادي غيره مع الحائل يريد منه حضوره.
الثالث : قوله «الحجرات » يدل على كون(٣) النبي ﷺ في خَلْوَتِهِ التي لا يمكن(٤) إتيان المحتاج إليه في حاجته ( في )(٥) ذلك الوقت بل الأحسن التأخير وإن كان في وَرْطَةِ الحاجة(٦).
قوله :«مِنْ وَرَاء » «مِنْ » لابتداء الغاية. وفي كلام الزمخشري ما يمنع أن «مِنْ »(٧) يكون لابتداء الغاية وانتهائها قال : لأن الشيء الواحد لا يكون مبدأ للفعل ومنتهًى له.
وهذا الذي أثبته بعض الناس وزعم أنها تدل على ابتداء الفعل وانتهائه في جهة واحدة نحو : أَخْذْتُ الدِّرْهَمَ مِنَ الكِيسِ(٨).
والعامة على الحُجُرَات بضمتين وأبو جعفر وشَيْبَةُ بفَتْحها(٩). وابن أبي عبلَة بإسكانها(١٠). وهي ثلاث لغات وتقدم تحقيقها في البقرة في قوله :«في ظُلُمَاتٍ »(١١).
والحُجْرَةُ فُعْلَةٌ بمعنى مفعولة كغُرْفَة بمعنى مَغْروفَة. قال البغوي : الحُجُرَاتُ جمع الحُجْرَةِ فهي جَمْعُ الجَمْعِ(١٢).

فصل


ذكروا في سبب النزول وجوهاً :
الأول : قال ابن عباس : بعث رسولُ الله ﷺ سريّةً إلى بني العَنْبر، وأمر عليهم عُيَيْنَة بن حِصْنٍ الفَزَاريّ، فلما علما هربوا وتركوا عيالهم، فَسَبَاهُمْ عيينة، وقدم ( بهم(١٣) ) على رسول الله ﷺ فجاء بعد ذلك رجالهم يفدونَ الذَّرَارِي فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله ﷺ قائلاً في أهله فلما رأتهم الذَّرَارِي أجْهَشُوا إلى آبائهم يبكون وكانت لكل امرأة من نساء رسول الله ﷺ حُجْرةٌ فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ فجعلوا ينادون : يا محمد اخْرُجُ إلينا حتى أيقظُوه من نومه فخرج إليهم، فقالوا يا محمد : فادنا عيالنا، فنزل جبريل ( عليه الصلاة والسلام(١٤) ) فقال : إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلاً فقال لهم رسول الله ﷺ «أتَرْضُون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم ؟ » فقالوا : نعم ؛ قال سبرة : أنا لا أحكم وعمي شاهد وهو الأعور بن بشامة ؛ فرضوا به فقال الأعور : أرى ( أن(١٥) ) تفادي نصفهم وأعتق(١٦) نصفهم. فأنزل الله :﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ وصفهم بالجهل وقلة العقل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل

في قوله :«أكثرهم» وجوه :

أحدها : أن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، احترازاً عن الكذب واحتياطاً في الكلام، لأن الكل مما لا يحيط به علم الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل، ثم إن الله تعالى مَعَ إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم، وفيه إشارة لطِيفةٍ وهي أن الله تعالى يقول : أنَا مع إحاطة علمي بكل شيء جربت على عادتكم استحساناً لتلك العادة، وهي الاحتراز عن الكذب، فلا تتركوها واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلا ً قاطعاً على رضائي بذلك منكم.
الثاني : أن يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون، وذلك أن الإنسان إذا اعتبر مع وصف ثم اعتبر مع وصف آخر يكون المجموع الأول غير المجموع الثاني، مثاله : إذا كان الإنسان جاهلاً أو فقيراً فيصير عالماً أو غنياً فيقال في العُرْف : زَيْدٌ لَيْسَ هُوَ الذي رَأَيْتُ مِنْ قَبْلُ بل الآن على أحسن حال فيجعله(٣) كأنه ليس ذلك إشارة إلى ذكرنا. إذا علم هذا فهم بعض الأحوال إذا اعتبرتهم مع تلك الحالة مغايرون لأنفسهم إذا اعتبرتهم مع غيرها. فقوله تعالى :﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ إشارة إلى ما ذكرنا.
الثالث : لعل فيهم من رجع عن ذلك الأمر، ومنهم من استمر على تلك العادة الرّديئة فقال : أكثرهم إخراجاً لمن ندم(٤) منهم عنهم.


١ زيادة من أ الأصل..
٢ ما بين القوسين كله سقط من ب..
٣ كذا في النسختين وفي الرازي المصدر السابق: قول وليس كون..
٤ في ب والرازي: التي لا يحسن..
٥ زيادة للسياق..
٦ قاله الرازي الإمام في تفسيره ٢٨/١١٦..
٧ في ب أن يكون من، بتقديم وتأخير والمعنى واحد..
٨ بالمعنى من الكشاف ٣/٥٥٨..
٩ أي الجيم. وانظر الإتحاف ٣٩٧ وتقريب النشر ١٧٥ وهي عشرية..
١٠ شاذة ذكرها صاحب البحر ٨/١٠٨..
١١ من الآية ١٧ منها: ﴿وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ فالفتح والاتباع بالضم أو الكسر لغة عامة العرب أما الإسكان فلغة تميم والضم لا يجيء مع اللام اليائية كدمية وكلية لثقل الضم قبل الياء فنقول دميات ودميات بفتح وإسكان فقط، انظر التبيان "يتصرف" للشيخ كحيل ١٣٤..
١٢ الواقع أن كلاما محذوفا هنا من كلام البغوي فكلامه: "جمع الحجر"، والحجر جمع الحجرة فهي جمع الجمع. انظر تفسيره ٦/٢٢٠..
١٣ سقط من ب..
١٤ زيادة من أ..
١٥ للسياق..
١٦ في ب وتعتق وهو الأقرب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى