روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات﴾ من خارجها خلفها أو قدامها على أن ﴿وَرَاء﴾ من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء خلفاً كان أو قداماً إذا لم تره فإذا رأيته لا يكون وراءك، فالوارء بالنسبة إلى من في الحجرات ما كان خارجها لتواريه عمن فيها، وقال بعض أهل اللغة إن وراء من الأضداد فهو مشترك لفظي عليه ومشترك معنوي على الأول وهو الذي ذهب إليه الآمدي. وجماعة.
و ﴿الحجرات﴾ جمع حجرة على وزن فعلة بضم الفاء وسكون العين وهي القطعة من الأرض المحجورة أي الممنوعة عن الدخول فيها بحائط، وتسمى حظيرة الإبل وهي ما تجمع فيه وتكون محجورة بحطب ونحوه حجرة أيضاً فهي بمعنى اسم المفعول كالغرفة لما يغرف باليد من الماء، وفي جمعها هنا ثلاثة أوجه، ضم العين اتباعاً للفاء كقراءة الجمهور، وفتحها وبه قرأ أبو جعفر. وشيبة، وتسكينها للتخفيف وبه قرأ ابن أبي عبلة.
وهذه الأوجه جائزة في جمع كل اسم جامد جاء على هذا الومن، والمراد حجرات نسائه عليه الصلاة والسلام وكانت تسعة لكل منهن حجرة، وكانت كما أخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود. وأخرج البخاري في الأدب. وابن أبي الدنيا. والبيهقي عن داود بن قيس قال : رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت ست أو سبع أذرع، وأحرز البيت الداخل عشرة أذرع، وأظن السمك بين الثمان والسبع.
وأخرجوا عن الحسن أنه قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي، وقد أدخلت في عهد الوليد بن عبد الملك بأمره في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وبكى الناس لذلك، وقال سعيد بن المسيب يومئذٍ : والله لوددت أنهم تركوها على حالها لينشو أناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها، وقال نحو ذلك أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وفي ذكر ﴿الحجرات﴾ كناية عن خلوته عليه الصلاة والسلام بنسائه لأنها معدة لها، ولم يقل : حجرات نسائك ولا حجراتك توقيراً له ﷺ وتحاشياً عما يوحشه عليه الصلاة والسلام، ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها فيكون القصد إلى الاستغراق العرفي أي جميع حجرات نسائه ﷺ أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له عليه الصلاة والسلام على أن الاستغراق إفرادي لا شمولي مجموعي ولا أنه من مقابلة الجمع بالجمع المقتضية لانقسام الآحاد على الآحاد لأن من ناداه ﷺ من وراء حجرة منها فقد ناداه من وراء الجميع على ما قيل، وعلى هذا يكون إسناد النداء من إسناد فعل الإبعاض إلى الكل، وقيل : إن الذي نادى رجل واحد كما هو ظاهر خبر أخرجه الترمذي وحسنه.
وجماعة عن البراء بن عازب، وما أخرجه أحمد. وابن جرير. وأبو القاسم البغوي. والطبراني. وابن مردويه بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي ﷺ فقال : يا محمد أخرج إلينا فلم يجبه عليه الصلاة والسلام فقال : يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال : ذاك الله فأنزل الله تعالى ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ﴾ الخ، وعليه يكون الإسناد إلى الكل لأنهم رضوا بذلك وأمروا به أو لأنه وجد فيما بينهم، وظاهر الآية أن المنادي جمع وكذا جمع من الأخبار، وسنذكر إن شاء الله تعالى بعضاً منها، وحمل ﴿الحجرات﴾ على الجمع الحقيقي هو الظاهر الذي عليه غير واحد من المفسرين، وجوز كون الحجرة واحدة وهي التي كان فيها الرسول عليه الصلاة والسلام وجمعت إجلالاً له ﷺ على أسلوب حرمت النساء سواكم، وأيضاً لأن حجرته عليه الصلاة والسلام لأنها أم الحجرات وأشرفها بمنزلة الكل على نحو أحد الوجهين في قوله تعالى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله﴾ [البقرة: ١١٤].
وفرق الزمخشري بين ﴿مِن وَرَاء الحجرات﴾ بإثبات ﴿مِنْ﴾ وراء الحجرات بإسقاطها بأنه على الثاني يجوز أن يجمع المنادي والمنادي الوراء، وعلى الأول لا يجوز ذلك، وعلله بأن الوراء يصير بدخول من مبتدأ الغاية ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد. واعترضه في «البحر » بأنه قد صرح الأصحاب في معاني ﴿مِنْ﴾ أنها تكون لابتداء الغاية وانتهائها في فعل واحد وأن الشيء الواحد يكون محلاً لهما ونسبوا ذلك إلى سيبويه وقالوا : إن منه قولهم : أخذت الدرهم من زيد فزيد محل لابتداء الأخذ منه وانتهائه معاً قالوا : فمن تكون في أكثر المواضع لابتداء الغاية فقط، وفي بعض المواضع لابتداء الغاية وانتهائها معاً.
وصاحب التقريب بقوله : فيه نظر لأن المبدأ والمنتهى إما المنادى والمنادى على ما هو التحقيق أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعها الوراء في إثبات ﴿مِنْ﴾ وفي إسقاطها لتغاير المبدأ والمنتهى، وإن كان الثاني فالجهة إما ذات أجزاء أو عديمتها، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات من أيضاً باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن يجمعهما لا في إثبات من ولا في إسقاطها لاتحاد المورد.
ورد الأول بأن محل الانتهاء هو المتكلم ليس إلا كما ذكره ابن هشام في «المغني »، وذكر أن ابن مالك قال : إن ﴿مِنْ﴾ في المثال للمجاوزة، والثاني غير قادح في الفرق على ما ذكره صاحب الكشف قال : الحاصل أن المبدأ الجهة باعتبار تلبسها بالفاعل لأن حرف الابتداء دخل على الجهة والفعل مما ليست المسافة داخلة في مفهومه فيعتبر الأمران تحقيقاً لمقتضى الفعل والحرف، ولما أوقع جميع الجهة مبدأ لم يجز أن يكون منتهى سواء كان منقسماً أو لا، ثم لما كان الوراء مبهماً لم يكن مثل سرت من البصرة إلى جامعها إذ لا يتعين بعضها مبدأ وبعضها منتهى، على أن ذلك أيضاً إذا أطلق يجب أن يحمل على أن المنتهى غير البصرة، أما إذا عينت فيجوز مع تجوز والأصل عدمه إلا بدليل، ثم هذا الجواز فيما كانت النهاية مكاناً أيضاً أما إذا اعتبرت باعتبار التلبس بالمفعول فلا، وإذا لم يذكر حرف الابتداء لم يؤد هذا المعنى.
فهذا فرق محقق ومنه يظهر أن المذكور في التقريب من النظر غير قادح، وما ذكر من أن التحقيق أن الفعل يبتدىء من الفاعل وينتهي إلى المفعول ويقع في الظرف وأن ﴿مِن وَرَاء الحجرات﴾ ووراءها كلاهما ظرف كصليت من خلف الإمام وخلفه ومن قبل اليوم وقبله ومعنى الابتداء غير محقق والفرق تعسف ظاهر في أن من زائدة لا فرق بين دخولها وخروجها وهو خلاف الظاهر وإلا لما اختلفوا في زيادتها في الإثبات لشيوع نحو هذا الكلام فيما بينهم، ومتى لم تكن زائدة فلا بد من الفرق بين الكلامين لاسيما إذا كانا من كلامه عز وجل فتدبر. والتعبير عن النداء بصيغة المضارع مع تقدمه على النزول لاستحضار الصورة الماضية لغرابتها.
والموصول اسم إن، وجملة قوله تعالى :﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ خبرها وتكرار الإسناد للمبالغة، والمراد أنهم لا يجرون على مقتضى العقل من مراعاة الأدب لاسيما مع أجل خلق الله تعالى وأعظمهم عنده سبحانه ﷺ وكثيراً ما ينزل وجود الشيء منزلة عدمه لمقتض، والحكم على الأكثر دون الكل بذلك لأن منهم من لم يقصد ترك الأدب بل نادى لأمر ما على ما قيل، وجوز أن يكون المراد بالقلة التي يدل عليها نفي الكثرة العدم فإنه يكنى بها عنه، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك في صريح القلة لا في المفهوم من نفي الكثرة، وكان هؤلاء من بني تميم كما صرح به أكثر أهل السير. أخرج ابن إسحاق. وابن مردويه عن ابن عباس قال : قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً منهم الزبرقان بن بدر. وعطارد بن حاجب بن زرارة. وقيس بن عاصم. وقيس بن الحرث. وعمرو بن الأهتم المدينة على رسول الله ﷺ فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سوأة حتى أتوا منزل رسول الله ﷺ فنادوه من وراء الحجرات بصوت جاف يا محمد أخرج إلينا ثلاثاً فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقالوا : يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين نحن أكرم العرب فقال رسول الله ﷺ : كذبتم بل مدح الله تعالى الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقالوا : إنا أتيناك لنفاخرك فذكره بطوله وقال في آخره : فقال التميميون والله إن هذا الرجل لمصنوع له لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا وفاه شاعره فكان أشعر من شاعرنا وفيهم أنزل الله تعالى :﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات﴾ من بني تميم ﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ هذا في القراءة الأولى.
وذكر ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق الخبر بطوله وعد منهم الأقرع بن حابس وذكر أنه وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنيناً والطائف ؛ وأن عمرو بن الأهتم خلفه القوم في ظهرهم وأن خطيبهم عطارد بن حاجب وخطيبه ﷺ ثابت بن قيس بن شماس وشاعرهم الزبرقان بن بدر وشاعره عليه الصلاة والسلام حسان بن ثابت وذكر الخطبتين وما قيل من الشعر وأنه لما فرغ حسان قال الأقرع : وأبى أن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، وأنه لما فرغوا أسلموا وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم وأرسل لعمرو جائزته كالقوم، وتعقب ابن هشام الشعر بعض التعقب. وفي «البحر » أيضاً ذكر الخبر بطوله مع مخالفة كلية لما ذكره ابن إسحاق، وفيه أن الأقرع قام بعد أن أنشد الزبرقان ما أنشد وأجابه حسان بما أجاب فقال : إني والله لقد جئت لأمر وقد قلت شعراً فاسمعه فقال :
أتيناك كيما يعرف الناس فضلناإذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأنا رؤوس الناس من كل معشروأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأن لنا المرباع في كل غارةتكون بنجد أو بأرض التهائم
فقال النبي ﷺ لحسان : قم فأجبه فقال :
بني دارم لا تفخروا إن فخركميصير وبالاً عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتملنا خول من بين ظئر وخادم
فقال النبي ﷺ : لقد كنت يا أخا دارم غنياً أن يذكر منك ما ظننت أن الناس قد نسوه فكان قوله عليه الصلاة والسلام : أشد عليهم من جميع ما قال حسان ثم رجع حسان إلى شعره فقال :
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكموأموالكم أن يقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله نداً وأسلمواولا تفخروا عند النبي بدارم
وإلا ورب البيت قد مالت القناعلى هامكم بالمرهفات الصوارم
فقال الأقرع بن حابس : والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولاً، ثم دنا من رسول الله ﷺ وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ما يضرك ما كان قبل هذا انتهى، وهذا ظاهر في أن إسلام الأقرع يومئذٍ، ومعلوم أن سنة الوفود سنة تسع والطائف وحنين كانتا قبل ذلك، وتقدم عن ابن إسحاق أن الأقرع شهدهما مع رسول الله صلى ال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى