التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أشار - سبحانه - إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم للنبى - ﷺ - فقال :﴿إِنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بنى تميم أتوا إلى المدينة فى عام الوفود فى السنة التاسعة، فوقفوا بالقرب من منزل النبى - ﷺ - فى سعاة القيلولة وأخذوا يقولون : يا محمد اخرج إلينا.. فكره النبى - ﷺ - منهم ذلك.
والمراد بالحجرات : حجرات نسائه - ﷺ - جمع حجرة وهى القطعة من الأرض المحجورة، أى : المحددة بحدود لا يجوز تخطيها، ويمنع الدخول فيها إلا بإذن.
أى : إن الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - ﴿مِن وَرَآءِ الحجرات﴾.
أى : خلق حجرات أزواجك وخارجها، أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه العقول السليمة، والآداب القويمة من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه من الناس، فضلا عن أفضلهم، وأشرفهم، وذلك لأنهم من الأعراب الذين لم يحسنوا مخاطبة الناس، لجفائهم وغلظ طباعهم.
وقال - سبحانه - ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ للإِشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه الكثرة فى هذا النداء الخارج عن حدود الأدب واللياقة.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وورود الآية على النمط الذى وردت عليه، فيه مالا يخفى على الناظر من إكبار للنبى - ﷺ وإجلال لمقامه.
ومن ذلك : مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به السفَه والجهلَ بسبب ما أقدموا عليه. ومن ذلك : التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذى يظهر به موضع الاستنكار عليهم.
ومن ذلك : شفُع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز فى المحاطبات، تهوينا للخطب، وتسلية له - ﷺ -.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى