مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله﴾ فلا تكذبوا فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب، أو فارجعوا إليه واطلبوا رأيه. ثم قال مستأنفاً ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ﴾ لوقعتم في الجهد والهلاك، وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك وهم الذين استثناهم بقوله ﴿ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان﴾ وقيل : هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. ولما كانت صفة الذين حبب الله إليهم الإيمان غايرت صفة المتقدم ذكرهم وقعت «لكن » في حاقّ موقعها من الاستدراك وهو مخالفة ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً ﴿وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر﴾ وهو تغطية نعم الله وغمطها بالجحود ﴿والفسوق﴾ وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر ﴿والعصيان﴾ وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الراشدون﴾ أي أولئك المستثنون هم الراشدون يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة