تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٧ وقوله تعالى :﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنِتُّم﴾ أي لأثمتم.
من الناس من احتج بهذه الآية على أن الإجماع ليس بحجة، وقالوا : لو كان لإجماعهم [ حجة لكانوا ](١) لا يأثمون لو أطاعهم في كثير من الأمر لأن الحق والصواب مما لا يوجب الإثم لصاحبه في من تبعه في ذلك الصواب.
ولكن إن كان لا يوجب الثواب دلّ أنه ليس بحجة يجب اتّباعه. ولكن هذا فاسد لأن الحُجج والبراهين لم تكن انتهت يومئذ غايتُها، ولا أتت على نهايتها.
والإجماع الذي هو إجماع الحجة عندنا، ويجب اتباعه والانقياد له، هو إجماع من استوعب الحجج والبراهين، وأتى على عامّتها أو على الجميع، وكان الوقت وقت نزول الوحي، وإنما تستقر الأحكام بوفاة رسول الله ﷺ لما ينقطع الوحي، فيُستدل على استيعاب الحُجج ونزول جميع ما يحتاج الناس إليه من حيث الإيداع في النصوص ؛ فمتى اجتمعوا على ذلك يكون حجة، ولأنه لا إجماع تحقيق دون رأي رسول الله ﷺ وإذا وُجد رأيه، استُغني عن رأي الغير لما كان ينطق عن الحِجا. فإذا لم يكن وقت رسول الله ﷺ زمان انعقاد الإجماع حجة بطل استدلالُهم بالآية.
ثم قوله تعالى :﴿واعلموا أن فيكم رسول الله﴾ [ يحتمل وجوها :
أحدها :](٢) أُرسل إليكم ليُزيل عنكم إشكالكم وشبهاتكم، فلا عذر لكم في الكفر واعتراض الشُّبه لكم بما تقدرون أن تسألوه ما أشكل عليكم، واشتبه، فيُخبركم بذلك، فيُزيل الشُّبه عنكم.
والثاني : يحتمل :﴿واعلموا أن فيكم رسول الله﴾ يُطلع الله تعالى إياه على ما تُضمرون في أنفسكم وما تولّدون من الأخبار التي لا أصل لها، ولا أثر، ما لو ظهر ذلك لافتضحتم، وهو صلة ما ذكر من قوله :﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا﴾ والله أعلم.
[ والثالث :](٣) يحتمل أن فيكم رسول الله تسألونه ما أشكل عليكم، فيُخبركم بالحق والأمر على حقيقته كي لا تُصيبوا(٤) قوما بجهالة، والله أعلم.
[ والرابع :](٥) يحتمل أن يكون قوله ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله﴾ فإليه الرأي والتدبير في الأمور، ومن رأيه وتدبيره يجب أن تُصدروا(٦) لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم.
وعلى ذلك يخرج قوله تعالى :﴿وكيف تكفرون وأنتم تُتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾ [آل عمران: ١٠١] على الوجوه التي ذكرهما، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لو يُطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم﴾ أي لو يطيعكم في ما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشُّبهات وهواها، أو يقول : لو يطيعكم في الصدور عن رأيكم تدبيركم في الأمور لعنتّم.
ثم قوله(٧) :﴿ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ هذا في الظاهر كأنه(٨) غير موصول بقوله :﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم﴾ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار ؛ كأنه يقول :﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم﴾ وإن الله قد أرسله إليكم رسولا، وحبّب إليكم الإيمان به، وزيّنه في قلوبكم /٥٢٢-ب/ حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل شيء.
فالواجب عليكم أن تصرِفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره، وأن تصدروا عن رأيه، ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم، والله أعلم.
ويحتمل ألا تدعوه إلى أن يطيعكم في ما تهوى بكم أنفسكم ما شبّهت بعد ما حبّب الإيمان به إليكم، وزيّنه في قلوبكم، وكرّه إليكم الكفر وما ذكر، والله أعلم بحقيقة جهته وصلة هذا بالأول.
ثم يحتمل وجهين أيضا :
أحدهما :﴿لو يطيعكم﴾ الرسول ﴿في كثير من الأمر لعنتّم﴾ الله تعالى ألزمكم طاعته في كل أمر، فأطيعوه، ولا تطلبوا منه طاعته إياكم في الأمور، ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها، وقد ﴿حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق﴾ والخروج عن أمره ﴿والعِصيان﴾.
والثاني : يشبه أن يكون موصولا بقوله تعالى :﴿إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾(٩) [الحجرات: ٣].
ثم قوله(١٠) عز وجل :﴿أولئك هم الراشدون﴾ كأنه يقول :﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ وحبّب إليه الإيمان، وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ﴿أولئك هم الراشدون﴾.
أخبر، وشهِد لهم بالرشاد، وأخبر أن ذلك فضل منه إليهم ونعمة لا بشيء كان منهم [ استوجب ذلك ](١١).
١ في الأصل وم: لكان..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: و..
٤ من م، في الأصل: يقلبوا..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: تصدر..
٧ في الأصل وم: قال..
٨ في الأصل وم: كناية..
٩ أدرج بعدها في الأصل وم: ﴿ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾..
١٠ في الأصل وم: قال..
١١ في الأصل وم: استوجبوا بذلك..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى