مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار فأمسك ابن أبي بأنفه وقال : خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة : والله إن بول حماره لأطيب من مسكك. ومضى رسول الله ﷺ وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج فتجالدوا بالعصي. وقيل : بالأيدي والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله ﷺ فأصلح بينهم ونزلت. وجمع ﴿اقتتلوا﴾ حملاً على المعنى لأن الطائفتين في معنى القوم والناس، وثنى في ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ نظراً إلى اللفظ ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى﴾ البغي الاستطالة والظلم وإباء الصلح ﴿فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىءَ﴾ أي ترجع والفيء الرجوع وقد سمى به الظل والغنيمة لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت فإذا كفت وقبضت عن الحرب أيديها تركت ﴿إلى أَمْرِ الله﴾ المذكور في كتابه من الصلح وزوال الشحناء ﴿فَإِن فَآءَتْ﴾ عن البغي إلى أمر الله ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل﴾ بالإنصاف ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ واعدلوا وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ العادلين والقسط : الجور، والقسط : العدل، والفعل منه أقسط وهمزته للسلب أي أزال القسط وهو الجور.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى