محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٩ من سورة الحجرات في ١١٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٩ من سورة الحجرات

١١٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الآخرى فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما عَلى الأُخْرَى يقول : فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلاً بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما فَقاتِلُوا الّتِي تَبْغِي يقول : فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللّهِ يقول : حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه فإنْ فاءَتْ فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالعَدْلِ يقول : فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل : يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلاً بين خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَت إحْدَاهُما على الأُخُرَى فَقاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللّهِ فإن الله سبحانه أمر النبيّ ﷺ والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغٍ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . . إلى آخر الآية، قال : هذا أمر من الله أمر به الوُلاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس، وأمرهم أن يصلحوا بينهما، فإن أبوْا قاتل الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، فإذا رجعت أصلحوا بينهما، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة، فأصلحوا بين أخويكم قال : ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام.
وذُكر أن هذه الاَية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه، مما سأذكره إن شاء الله تعالى. ذكر الرواية بذلك :
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال : قيل للنبيّ ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أُبيّ، قال : فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة فلما أتاه رسول الله ﷺ قال : إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار : والله لنتن حمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، قال : فغضب لعبد الله بن أُبيّ رجل من قومه قال : فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال : فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزلت فيهم وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما.
حدثني أبو حُصَين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال : حدثنا عبثر، قال : ثني حصين، عن أبي مالك في قوله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنْ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا قال : رجلان اقتتلا فغضب لذا قومه، ولذا قومه، فاجتمعوا حتى اضّربوا بالنعال حتى كاد يكون بينهم قتال، فأنزل الله هذه الاَية.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال : كان بينهم قتال بغير سلاح.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله : وَإن طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما قال : كانا حيين من أحياء الأنصار، كان بينهما تنازع بغير سلاح.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : أخبرنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما قال : كان قتالهم بالنعال والعصيّ، فأمرهم أن يصلحوا بينهم.
قال : ثنا مهران، قال : حدثنا المُبارك بن فَضَالة، عن الحسن وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِين اقْتَتَلُوا قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعوهم إلى الحكم، فيأَبْون أن يجيبوا فأنزل الله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِين اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما على الأُخْرَى فَقاتِلُوا الّتي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللّهِ يقول : ادفعوهم إلى الحكم، فكان قتالهم الدفع.
قال : ثنا مهران، قال : حدثنا سفيان، عن السديّ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحوا بَيْنَهُما قال : كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد، تحت رجل، فكان بينها وبين زوجها شيء، فرقاها إلى علية، فقال لهم : احفظوا، فبلغ ذلك قومها، فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فجاء ليصلح بينهم، فنزل القرآن وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْداهُما على الأُخْرَى قال : تبغي : لا ترضى بصلح رسول الله ﷺ، أو بقضاء رسول الله ﷺ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال : الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصيّ بينهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . . الاَية، الاَية، ذُكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر : لأخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن الاَخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ ﷺ، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف، فأمر الله أن تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، كتاب الله، وإلى حكم نبيه ﷺ وليست كما تأوّلها أهل الشبهات، وأهل البدع، وأهل الفراء على الله وعلى كتابه، أنه المؤمن يحلّ لك قتله، فوالله لقد عظّم الله حُرمة المؤمن حتى نهاك أن تظنّ بأخيك إلا خيرا، فقال : إنّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ. . . الاَية.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال قتادة : كان رجلان بينهما حقّ، فتدارآ فيه، فقال أحدهما : لاَخذنّه عنوة، لكثرة عشيرته وقال الاَخر : بيني وبينك رسول الله ﷺ، فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قال : ثني عبد الله بن عباس، قال : قال زيد، في قول الله تعالى : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، وذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام، أو النفر والنفر، أو القبيل والقبيلة فأمر الله أئمة المسلمين أن يقضوا بينهم بالحقّ الذي أنزله في كتابه : إما القصاص والقود، وإمّا العقل والعير، وإمّا العفو، فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما على الأُخْرَى بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على الظالم، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرضى به.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، قال : ثني ابن شهاب وغيره : يزيد في الحديث بعضهم على بعض، قال : جلس رسول الله ﷺ في مجلس فيه عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أُبيّ ابن سلول : فلما ذهب رسول الله ﷺ قال عبد الله بن أبيّ ابن سلول : لقد آذانا بول حماره، وسدّ علينا الروح، وكان بينه وبين ابن رواحة شيء حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسول الله ﷺ، فأتاهم، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبيّ :
مَتى ما يَكُنْ مَوْلاكَ خَصْمَكَ جاهداتُظَلّمْ وَيَصْرَعْكَ الّذِينَ تُصَارِعُ
قال : فأنزلت فيهم هذه الاَية وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا.
وقوله : وأَقْسِطُوا يقول تعالى ذكره : واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله إنّ اللّهَ يُحِبّ المُقْسِطِينَ يقول : إن الله يحبّ العادلين في أحكامهم، القاضين بين خلقه بالقسط.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
والفاسق: الكاذب في كتاب الله كله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾
يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى) يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه.
وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فإن الله سبحانه أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم
بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)... إلى آخر الآية، قال: هذا أمر من الله أمر به الوُلاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس، وأمرهم أن يصلحوا بينهما، فإن أبوْا قاتل الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، فإذا رجعت أصلحوا بينهما، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة، فأصلحوا بين أخويكم; قال: ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام.
وذُكر أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه، مما سأذكره إن شاء الله تعالى.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال: قيل للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لو أتيت عبد الله بن أُبيّ، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة; فلما أتاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لنتن حمار رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله بن أُبيّ رجل من قومه قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزلت فيهم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
حدثني أبو حُصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثني حصين، عن أبي مالك في قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) قال: رجلان اقتتلا فغضب لذا قومه، ولذا قومه، فاجتمعوا
حتى اضربوا بالنعال حتى كاد يكون بينهم قتال، فأنزل الله هذه الآية.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) قال: كان بينهم قتال بغير سلاح.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) قال: كانا حيين من أحياء الأنصار، كان بينهما تنازع بغير سلاح.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) قال: كان قتالهم بالنعال والعصيّ، فأمرهم أن يصلحوا بينهم.
قال: ثنا مهران، قال: ثنا المُبارك بن فَضَالة، عن الحسن (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعوهم إلى الحكم، فيأبَوْن أن يجيبوا فأنزل الله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) يقول: ادفعوهم إلى الحكم، فكان قتالهم الدفع.
قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن السديّ (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد، تحت رجل، فكان بينها وبين زوجها شيء، فرقاها إلى علية، فقال لهم: احفظوا، فبلغ ذلك قومها، فجاءوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال فبلغ ذلك النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فجاء ليصلح بينهم، فنزل القرآن (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى) قال: تبغي: لا ترضى بصلح رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، أو بقضاء رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح،
عن مجاهد، قوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) قال: الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصيّ بينهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)... الآية، ذُكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف، فأمر الله أن تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، كتاب الله، وإلى حكم نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم; وليست كما تأوّلها أهل الشبهات، وأهل البدع، وأهل الفراء على الله وعلى كتابه، أنه المؤمن يحلّ لك قتله، فوالله لقد عظَّم الله حُرمة المؤمن حتى نهاك أن تظنّ بأخيك إلا خيرا، فقال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)... الآية.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) قال قتادة: كان رجلان بينهما حقّ، فتدارءا فيه، فقال أحدهما: لآخذنَّه عنوة، لكثرة عشيرته; وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: ثني عبد الله بن عباس، قال: قال زيد، في قول الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، وذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام، أو النفر والنفر، أو القبيلة والقبيلة; فأمر الله أئمة المسلمين أن يقضوا بينهم بالحقّ الذي أنزله في كتابه: إما القصاص والقود، وإمَّا العقل والعير، وإمَّا العفو، (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى) بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على
الظالم، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرضى به.
حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: ثني ابن شهاب وغيره: يزيد في الحديث بعضهم على بعض، قال: "جلس رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في مجلس فيه عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أُبيّ بن سلول: فلما ذهب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال عبد الله بن أُبيّ بن سلول: لقد آذانا بول حماره، وسدّ علينا الروح، وكان بينه وبين ابن رواحة شيء حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأتاهم، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبيّ:
مَتى ما يَكُنْ مَوْلاكَ خَصْمَكَ جاهداتُظَلَّم وَيَصْرَعْكَ الَّذينَ تُصَارِعُ (١)
قال: فأنزلت فيهم هذه الآية (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا).
وقوله (وَأَقْسِطُوا) يقول تعالى ذكره: واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) يقول: إن الله يحب العادلين في أحكامهم، القاضين بين خلقه بالقسط.
(١) البيت لعبد الله بن أبي بن سلول، كما عزاه المؤلف. وقد وردت قصيدة ابن سلول هذه في السيرة لابن هشام الطبعة الأولى بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة ٢: ٢٣٦، ٢٣٧. وورد في أثنائها البيت ومعه بيت آخر، رواه ابن هشام عن غير ابن إسحاق وهما:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزلتذل ويصرعك الذين تصارع
وهل ينهض البازي بغير جناحهوإن جذ يوما ريشه فهو واقع
وكان النبي ﷺ ركب حمارًا، قاصدًا إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه، فمر بطريقه بأطم ابن سلول، فنزل يسلم عليه، وتلا عنده شيئا من القرآن. فكلم رسول الله كلامًا خشنًا، ونهاه أن يغشى مجالس الأنصار، ويعرض عليهم القرآن. وكان ابن رواحة حاضرًا، فتلطف برسول الله ﷺ وقال: بلى فاغشنا به، وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، هو والله مما نحب، ومما أكرمنا الله به، وهدانا له، فقال ابن أبي حين رأى من خلاف قومه ما رأى... البيتين.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى آمرًا بالإصلاح بين المسلمين(١) الباغين بعضهم على بعض :﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال. وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم. وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ خطب يوما ومعه على المنبر الحسن بن علي، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول :" إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (٢). فكان كما قال، صلوات الله وسلامه عليه، أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة.
وقوله :﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي : حتى ترجع إلى أمر الله(٣) وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس : أن رسول الله ﷺ قال :" انصر أخاك ظالما أو مظلوما ". قلت : يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ قال :" تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه " (٤).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عارم، حدثنا معتمر قال : سمعت أبي يحدث : أن أنسًا قال : قيل للنبي ﷺ، لو أتيت عبد الله بن أبي ؟ فانطلق إليه نبي الله ﷺ وركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه النبي ﷺ قال :" إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك " فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك. قال : فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال : فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم :﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
ورواه البخاري في " الصلح " عن مُسَدَّد، ومسلم في " المغازي " عن محمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، به نحوه(٥).
وذكر سعيد بن جبير : أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر بالصلح بينهما.
وقال السدي : كان رجلا من الأنصار يقال له :" عمران "، كانت له امرأة تدعى أم زيد(٦)، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في عُلَيَّة له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل قد كان خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية. فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله.
وقوله :﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي : اعدلوا بينهم فيما كان أصاب بعضهم لبعض، بالقسط، وهو العدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب(٧)، عن عبد الله بن عمرو ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا ".
ورواه النسائي(٨) عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، به(٩). وهذا إسناده جيد قوي، رجاله على شرط الصحيح.
وحدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال :" المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وَلُوا ".
ورواه مسلم والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به(١٠).
١ - (١) في أ: "المقتتلين"..
٢ - (٢) صحيح البخاري برقم (٢٧٠٤)..
٣ - (٣) في ت، م: "إلى أمر الله ورسوله"..
٤ - (٤) صحيح البخاري برقم (٢٤٤٣)..
٥ - (٥) المسند (٣/١٥٧) وصحيح البخاري برقم (٢٦٩١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٩)..
٦ - (٦) في أ: "يزيد"..
٧ - (١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده"..
٨ - (٢) في ت: "مسلم"..
٩ - (٣) النسائي في السنن الكبرى برقم (٥٩١٧)..
١٠ - (٤) صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) وسنن النسائي (٨/٣٢١)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الْكِبَارُ. وَالْعِصْيَانَ وَهِيَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي. وَهَذَا تَدْرِيجٌ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ، الَّذِينَ قَدْ آتَاهُمُ اللَّهُ رُشْدَهُمْ.
قَالَ (١) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ، عَنِ ابْنِ رَفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ (٢) وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ" فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ. اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضل لِمَنْ هَدَيْتَ. وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ. اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ. اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ العَيْلَة، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ. اللَّهُمَّ إِنَّى عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَمِنْ شَرٍّ مَا مَنَعْتَنَا. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ، تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ. اللَّهُمَّ، قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ. اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مَرْوَان بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عُبَيْد بْنِ رِفاعة، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ (٣).
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٤).
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أَيْ: هَذَا الْعَطَاءُ (٥) الَّذِي مَنَحَكُمُوهُ هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ عَلَيْكُمْ وَنِعْمَةٌ مِنْ لَدُنْهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْغَوَايَةَ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾
(١) في ت: "روى".
(٢) في أ: "الحديبية".
(٣) المسند (٣/٤٢٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٤٥).
(٤) رواه أحمد في مسنده (١/١٨) والترمذي في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه".
(٥) في ت: "القضاء".
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (١) الْبَاغِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ الِاقْتِتَالِ. وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَعْصِيَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ، لَا كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمًا وَمَعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَرَّةً وَإِلَى النَّاسِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (٢). فَكَانَ كَمَا قَالَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، بَعْدَ الْحُرُوبِ الطَّوِيلَةِ وَالْوَاقِعَاتِ الْمَهُولَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (٣) وَتَسْمَعَ لِلْحَقِّ وَتُطِيعَهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمَ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ" (٤).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحِدِّثُ: أَنَّ أَنَسًا قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؟ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبْخَةٌ، فَلَمَّا انْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي رِيحُ حِمَارِكَ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الصُّلْحِ" عَنْ مُسَدَّد، وَمُسْلِمٌ فِي "الْمَغَازِي" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ نَحْوَهُ (٥).
وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ بِالسَّعَفِ وَالنِّعَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فأمر بالصلح بينهما.
وقال السدي: كان رجلا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: "عِمْرَانُ"، كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى أُمَّ زَيْدٍ (٦)، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَزُورَ أَهْلَهَا فَحَبَسَهَا زَوْجُهَا وَجَعَلَهَا فِي عُلَيَّة لَهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا. وَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعَثَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَجَاءَ قَوْمُهَا وَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ كَانَ خَرَجَ، فَاسْتَعَانَ أَهْلُ الرَّجُلِ، فَجَاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، فَتَدَافَعُوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه
(١) في أ: "المقتتلين".
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٧٠٤).
(٣) في ت، م: "إلى أمر الله ورسوله".
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٤٤٣).
(٥) المسند (٣/١٥٧) وصحيح البخاري برقم (٢٦٩١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٩).
(٦) في أ: "يزيد".
الْآيَةُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَفَاءُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أَيْ: اعْدِلُوا بَيْنَهُمْ فِيمَا كَانَ أَصَابَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ (١)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، بِمَا أَقْسَطُوا فِي الدُّنْيَا".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ (٣). وَهَذَا إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ وَمَا وَلُوا".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ (٤).
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ إِخْوَةٌ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ" (٥). وَفِي الصَّحِيحِ: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" (٦). وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ" (٧). وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَفِي الصَّحِيحِ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهم وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهَر". وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (٨).
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ" (٩). تَفَرَّدَ بِهِ وَلَا بأس بإسناده.
(١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده".
(٢) في ت: "مسلم".
(٣) النسائي في السنن الكبرى برقم (٥٩١٧).
(٤) صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) وسنن النسائي (٨/٣٢١).
(٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٤٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
(٦) صحيح مسلم برقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٧) صحيح مسلم برقم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
(٨) صحيح البخاري برقم (٦٠١١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(٩) المسند (٥/٣٤٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٨٧) :"رجال أحمد رجال الصحيح".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٩-١٠ } ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
هذا متضمن لنهي المؤمنين، [ عن ] أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل(١)  بعضهم بعضًا، وأنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، فإن على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن صلحتا، فبها ونعمت، وإن ﴿بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي : ترجع إلى ما حد الله ورسوله، من فعل الخير وترك الشر، الذي من أعظمه، الاقتتال، [ وقوله ] ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ هذا أمر بالصلح، وبالعدل في الصلح، فإن الصلح، قد يوجد، ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به، فيجب أن لا يراعى أحدهما، لقرابة، أو وطن، أو غير ذلك من المقاصد والأغراض، التي توجب العدول عن العدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي : العادلين في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات، التي تولوها، حتى إنه، قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله، وعياله، في أدائه حقوقهم، وفي الحديث الصحيح : " المقسطون عند الله، على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما ولوا "
١ - في ب: ويقتل..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٩-١٠} ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
هذا متضمن لنهي المؤمنين، [عن] أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل (١) بعضهم بعضًا، وأنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، فإن على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن صلحتا، فبها ونعمت، وإن ﴿بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجع إلى ما حد الله ورسوله، من فعل الخير وترك الشر، الذي من أعظمه، الاقتتال، [وقوله] ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ هذا أمر بالصلح، وبالعدل في الصلح، فإن الصلح، قد يوجد، ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به، فيجب أن لا يراعى أحدهما، لقرابة، أو وطن، أو غير ذلك من المقاصد والأغراض، التي توجب العدول عن العدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: العادلين في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات، التي تولوها، حتى إنه، قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله، وعياله، في أدائه حقوقهم، وفي الحديث الصحيح: "المقسطون عند الله، على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما ولوا"
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هذا عقد، عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم، ولهذا قال النبي ﷺ آمرًا بحقوق الأخوة الإيمانية: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا يبع أحدكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا المؤمن أخو المؤمن، -[٨٠١]- لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره" (٢).
وقال ﷺ (٣) "المؤمن للمؤمن، كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك ﷺ بين أصابعه.
ولقد أمر الله ورسوله، بالقيام بحقوق المؤمنين، بعضهم لبعض، وبما به يحصل التآلف والتوادد، والتواصل بينهم، كل هذا، تأييد لحقوق بعضهم على بعض، فمن ذلك، إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها [وتدابرها]، فليصلح المؤمنون بين إخوانهم، وليسعوا فيما به يزول شنآنهم.
ثم أمر بالتقوى عمومًا، ورتب على القيام بحقوق المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة [فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك، على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة.
وفي هاتين الآيتين من الفوائد، غير ما تقدم: أن الاقتتال بين المؤمنين مناف للأخوة الإيمانية، ولهذا، كان من أكبر الكبائر، وأن الإيمان، والأخوة الإيمانية، لا تزول مع وجود القتال كغيره من الذنوب الكبار، التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى وجوب الإصلاح، بين المؤمنين بالعدل، وعلى وجوب قتال البغاة، حتى يرجعوا إلى أمر الله، وعلى أنهم لو رجعوا، لغير أمر الله، بأن رجعوا على وجه لا يجوز الإقرار عليه والتزامه، أنه لا يجوز ذلك، وأن أموالهم معصومة، لأن الله أباح دماءهم وقت استمرارهم على بغيهم خاصة، دون أموالهم.
(١) في ب: ويقتل.
(٢) في ب: أورد الشيخ الحديث كما يلي: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله أخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه) متفق عليه.
(٣) في ب: وفيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بَغَتْ
اعْتَدَتْ.
تَفِيءَ
تَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَأَقْسِطُوا
اعْدِلُوا.
الْمُقْسِطِينَ
العَادِلِينَ فِي أَحْكَامِهِمْ.

إعراب الآية ٩ من سورة الحجرات

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٦]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)
يقرأ فتثبّتوا وهما قراءتان «١» معروفتان إلّا أن «فتبيّنوا» أبلغ لأن الإنسان قد يثبّت ولا يتبيّن. أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عطفا على تصيبوا.

[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٧ الى ٨]

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
العلماء من أهل السنّة يقولون: معنى حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وفّقكم له، وفعل أفاعيل تحبّون معها الإيمان وتستحسنونه فلما أحبّوه واستحسنوه نسب الفعل إليه، وكذا فعل أفاعيل كرهوا معها الكفر والفسق والعصيان. فأما أن يكون معنى «حبّب» أمركم أن تحبّوه فخطأ من كل جهة منها أنه إنما يقال: حبّب فلان إليك نفسه أي أنه فعل أفعالا أحببته من أجلها، ومنها أنه قول مبتدع مخالف صاحبه لنصّ القرآن قال جلّ وعزّ:
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود: ٨٨] ومنه قوله: اهْدِنَا [الفاتحة: ٦] من هذا بعينه، ومنها أنّ نص الآية يدلّ على خلاف ما قال جلّ وعزّ: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فلا اختلاف في هذا أنه يرجع إلى الذين حبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان. فلو كان معنى حبّب أمرهم أن يحبوه كان الكفار وأهل المعاصي داخلين في هذا. وهذا خارج من الملّة و «الراشدون» الذين رشدوا للإيمان وتركوا المعاصي ثم بيّن جلّ وعزّ أنّ ذلك فضل منه ونعمة فقال جلّ وعزّ: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً قال أبو إسحاق: «فضلا» مفعول من أجله أي للفضل. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بمصالح عباده ومنافعهم، حكيم في أفعاله.

[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٩]

وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)
طائِفَتانِ مرفوعتان بإضمار فعل أي وإن اقتتلت طائفتان، ويجوز أن يكون المضمر كان ولا بدّ من إضمار لأن «إن» لا يليها إلا الفعل لأنها للشرط، وجوابه فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى شرط أيضا، والجواب فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي ترجع فإن قلت: تفي بغير همز فمعناه تكثر. وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
(١) انظر تيسير الداني ص ٨٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٩ من سورة الحجرات

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ...﴾ الآية. [٩].
أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر النحوي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان المقري، قال: أخبرنا أحمد بن علي الموصلي، قال: حدَّثنا إسحاق بن [أبي] إسرائيل، قال: أخبرنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدث عن أنس، قال:
قلت يا نبي الله، لو أتيت عبد الله بن أبيّ. فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم فركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سَبِخَةَ، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نَتْنُ حمارك! فقال رجل من الأنصار: [والله] لَحِمارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾. رواه البخاري عن مُسدَّدَ، ورواه مسلم عن محمد بن عبد الأعلى؛ كلاهما عن المعتمر.

القراءات في الآية ٩ من سورة الحجرات

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ

بمد المتصل 3 حركات وقصر المنفصل وتحقيق الهمزة الثانية

روح عن يعقوب

بمد المتصل 3 حركات وقصر المنفصل وتسهيل الهمزة الثانية

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

بمد المتصل والمنفصل 3 حركات وتسهيل الهمزة الثانية

الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع

بمد المتصل والمنفصل 4 أو 5 حركات وتحقيق الهمزة الثانية

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

بمد المتصل والمنفصل 4 حركات وتحقيق الهمزة الثانية

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

بمد المتصل والمنفصل 6 حركات وتحقيق الهمزة الثانية

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بمد المتصل والمنفصل 6 حركات وتسهيل الهمزة الثانية

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٨ أقوال
١
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ المُقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤٍ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١١‏/‏٢٤ (٦٤٨٥)، ١١‏/‏٤٩٩ (٦٨٩٧)، والحاكم ٤‏/‏١٠٠ (٧٠٠٦)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٣٧٥-. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، وقد أخرجاه جميعًا». وقال ابن كثير: «وهذا إسناده جيِّد قوي، رجاله على شرط الصحيح». وقال الألباني في الضعيفة ١٣‏/‏٧٧٠ (٦٣٤٤): «شاذ».
٢
عن قُهَيد بن مُطَرِّف الغفاريّ، أنّ رسول الله ﷺ سأله سائل: إنْ عدا عليَّ عادٍ؟ فأمره أن ينهاه ثلاث مرات، قال: فإن أبى؟ فأمره بقتاله، قال: فكيف بنا؟ قال: «إن قتلك فأنت في الجنّة، وإن قتَلتَه فهو في النار»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٤‏/‏٢٣٧-٢٣٨ (١٥٤٨٦، ١٥٤٨٧). قال البخاري في التاريخ الكبير ٧‏/‏١٩٩ في ترجمة قُهَيد بن مُطَرّف (٨٧٣): «هذا مرسل». وقال البغوي في معجم الصحابة ٥‏/‏٨١ (١٩٩٢): «ولا أعلم لقُهيد غير هذا الحديث، ويُشكّ في صحبته». وقال العلائي في جامع التحصيل ص٢٥٧ (٦٣٩): «مختلف في صحبته... وقد ذكر ابن حبان قهيدًا هذا في التابعين، وكذلك قال غيره أيضًا؛ فحديثه مرسل». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٢٤٥ (١٠٤٧٠): «رواه أحمد، والطبراني، والبزار، ورجالهم ثقات». وأورده الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٧٤٦ (٣٢٤٧).
٣
عن عائشة -من طريق عمرة- قالت: ما رأيتُ مثلَ ما رغِبَتْ عنه هذه الأُمَّة في هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في سننه ٨‏/‏١٧٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢أشار ابنُ تيمية (٦/٥٢) إلى أنّ عائشة رضي الله عنها قالت هذا لَمّا وقعت الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم.
٤
عن حِبان السّلَميّ، قال: سألتُ ابنَ عمر عن قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، وذلك حين دخل الحَجّاجُ الحَرم. فقال لي: عرفتَ الباغيةَ مِن المبْغيّ عليها؟ فوالذي نفسي بيده، لو عرفتُ المبْغيّة ما سبقتني أنت ولا غيرُك إلى نَصْرها، أفرأيتَ إن كانت كلتاهما باغيتين، فدعِ القومَ يقتتلون على دنياهم، وارجع إلى أهلك، فإذا استمرَّت الجماعة فادخل فيها١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.
٥
عن عبد الله بن عمر، قال: ما وجدتُ في نفسي مِن شيء ما وجدتُ في نفسي مِن هذه الآية؛ أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٤٦٣، والبيهقي ٨‏/‏١٧٢.
٦
عن الحارث الأعور: أنّ علي بن أبي طالب سُئِل -قال البغوي: وهو القدوة في قتال أهل البغي- عن أهل الجمل وصفّين: أمُشرِكون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرُّوا. فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا، إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بَغَوا علينا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٧٩، وتفسير البغوي ٧‏/‏٣٤١. واستدلا بالأثر على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سمّاهم إخوة مؤمنين في الآيتين مع كونهم باغين.
٧
عن ابن المسيّب -من طريق عمرو بن سليم- يقول: إذا التقت الفئتان، فما كان بينهما من دمٍ أو جراحة فهو هَدر، ألا تسمع إلى قول الله عز و جل: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فتَلا الآية حتى فرغ منها، قال: فكلّ واحدة من الطائفتين ترى الأخرى باغية١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠‏/‏١٢٢ (١٨٥٨٧).
٨
عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ، قال: «إنّ المُقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٣‏/‏١٤٥٨ (١٨٢٧)، والثعلبي ٨‏/‏٢٥٤. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.

نزول الآية

١٢ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ وقف على حِمار له يُقال له: يعفور، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أُبَيّ للنبي ﷺ: خلِّ للناس مسيل الريح مِن نَتن هذا الحمار. ثم قال: أُفّ. وأمسك بأنفه، فشقّ على النبي ﷺ قوله، فانصرف النبي ﷺ، فقال عبد الله بن رَواحة: ألا أراك أمسكتَ على أنفك من بَوْل حماره! واللهِ، لَهو أطيب ريحٍ عرض منك. فلجّا في القول، فاجتمع قوم عبد الله بن رواحة الأَوْس، وقوم عبد الله بن أُبَي الخَزْرج، فكان بينهم ضرْبٌ بالنّعال والأيدي والسّعف، فرجع النبي ﷺ إليهم، فأصلح بينهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٣-٩٤.
٢
عن أنس بن مالك، قال: قيل للنبي ﷺ: لو أتيتَ عبد الله بن أُبَيّ. فانطلَق، وركِب حمارًا، وانطلَق المسلمون يمشون، وهي أرضٌ سَبِخة، فلما انطلَق إليه قال: إليك عنِّي، فواللهِ، لقد آذاني ريحُ حمارك. فقال رجل من الأنصار: واللهِ، لَحِمار رسول الله ﷺ أطيبُ ريحًا منك. فغضب لعبد الله رجال مِن قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابُه، فكان بينهم ضرْبٌ بالجريد والأيدي والنعال، فنَزَلتْ فيهم: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٨٣ (٢٦٩١)، ومسلم ٣‏/‏١٤٢٤ (١٧٩٩)، وابن جرير ٢١‏/‏٣٥٨-٣٥٩.
٣
عن سعيد بن جُبير، قال: إنّ الأَوْس والخَزْرَج كان بينهما قتالٌ بالسيف والنّعال؛ فأنزل الله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن أبي حاتم.
٤
عن عامر الشعبي -من طريق إسماعيل بن سالم- قال: كان رجلان مِن الأنصار بينهما تلاحِي، لم يكن إلا ذاك١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه -التفسير ٧‏/‏٣٨٩ (٢٠٢٣).
٥
عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيّ -من طريق حُصَين- قال: تَلاحى رجلان مِن المسلمين، فغضب قومُ هذا لهذا، وقومُ هذا لهذا، فاقتتلوا بالأيدي والنّعال؛ فأنزل الله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٥٩ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.
٦
عن الحسن البصري -من طريق المبارك بن فَضالة- قال: كانت تكون الخصومة بين الحَيّين، فيدعوهم إلى الحُكم، فيَأبَون أن يجيئوا؛ فأنزل الله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٦٠.
٧
عن الحسن البصري -من طريق معمر-: أنّ قومًا مِن المسلمين كان بينهم تنازُعٌ، حتى اضطربوا بالنّعال والأيدي؛ فأنزل الله فيهم: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٢، وابن جرير ٢١‏/‏٣٦١-٣٦٢.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكر لنا: أنّ هذه الآية ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ نَزَلتْ في رَجلين من الأنصار كانت بينهما مُدارأة١ في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخُذنّ عُنوة. لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبيِّ ﷺ، فأبى، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضًا بالأيدي والنّعال، ولم يكن قتال بالسيوف٢
التخريج
  1. ١المدارأة: المخالفة والمدافعة. لسان العرب (درأ).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٦١ مطولًا، وسيأتي في تفسير الآية التالية. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٩
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ وغيره -من طريق عبد الملك ابن جُرَيْج- قال: جلس رسولُ الله ﷺ في مجلسٍ فيه عبد الله بن رَواحة، وعبد الله بن أُبَيّ بن سلول، فلمّا ذهب رسول الله ﷺ قال عبد الله بن أُبَيّ بن سلول: لقد آذانا بَوْلُ حماره، وسدّ عنا الرَّوْح. وكان بينه وبين ابن رواحة شيء، حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسولُ الله ﷺ، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبَيّ: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدًا تُظَلَّم ويصرعْك الذي تُصارعُ قال: فأُنَزَلتْ فيهم هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٦٢.
١٠
عن إسماعيل السُّدّيّ -من طريق سفيان- قال: كان رجلٌ مِن الأنصار يُقال له: عمران، تحته امرأة يقال لها: أُمّ زيد، وإنها أرادتْ أن تزور أهلها، فحبسها زوجُها، وجعلها في عُلِّيّةٍ له، لا يدخل عليها أحد من أهلها، وإنّ المرأة بعثتْ إلى أهلها، فجاء قومُها، فأنزلوها لينطَلِقوا بها، وكان الرجل قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمّه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا، واجتَلدوا بالنّعال؛ فنَزَلتْ فيهم هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فبعَث إليهم رسول الله ﷺ، فأصلَح بينهم، وفاؤوا إلى أمر الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٦٠ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، بلَغَنا: أنّ رسول الله ﷺ أقبَل على حمارٍ، حتى وقف في مجلسٍ من مجالس الأنصار، فكره بعض القوم موقفه، وهو عبد الله بن أُبَي بن سَلول المنافق، فقال له: خلِّ لنا سبيلَ الريح مِن نَتن هذا الحمار، أُفٍّ. وأمسَك بأنفه، فمضى رسولُ الله، وغضب له بعض القوم، وهو عبد الله بن رَواحة، فقال: ألِرسول الله قلتَ هذا القول؟! فواللهِ، لَحِمارهُ أطيب ريحًا منك. فاستبّا، ثم اقتتلا، واقتتلت عشائرهما، فبلغ ذلك رسول الله، فأقبل يُصلح بينهما، فكأنهم كرهوا ذلك؛ فنَزَلتْ هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٢٦٢-٢٦٣-.
١٢
عن محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أنّها نَزَلتْ في حرب سُمير وحاطب، وكان سُمير قتل حاطبًا، فجعل الأَوْس والخَزْرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيُّ ﷺ؛ فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه والمؤمنين أن يُصلحوا بينهم١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٧٨-٧٩.

تفسير

١١ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، قال: إنّ الله أمر النبيَّ ﷺ والمؤمنين إذا اقتتلتْ طائفتان من المؤمنين أن يَدْعُوهم إلى حُكْمِ الله، ويُنصِف بعضهم من بعض، فإنْ أجابوا حَكَم فيهم بكتاب الله حتى يُنصِف المظلوم مِن الظالم، فمَن أبى منهم أن يجيب فهو باغٍ، وحقَّ على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يُقاتلوهم حتى يَفيئوا إلى أمر الله، ويُقِرُّوا بحُكم الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٥٨-٣٥٩ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير- ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، قال: كان قتالهم بالنّعال والعِصيّ، فأمرهم أن يُصلحوا بينهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٦٠. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣
عن سعيد بن جُبير -من طريق سعد بن عبيدة- في هذه الآية: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، قال: إنّما قتالهم بالعِصيّ والنّعال١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٣٨٨.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، قال: الأَوْس والخَزْرج، اقتتلوا بينهم بالعِصيّ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦١١، وأخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٦٠-٣٦١ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٥
عن مجاهد بن جبر، ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، قال: الطائفة: من الواحد إلى الألف. وقال: إنما كانا رجلين اقتتلا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد. وأخرج آخره عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٠ من طريق أبي بشر.
٦
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، قال: بالسّيف. قيل: فما قَتْلاهم؟ قال: شهداء مرزوقين. قيل: فما حال الأخرى؛ أهل البغي؛ مَن قُتل منهم؟ قال: إلى النار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٥‏/‏٢٩٦.
٧
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- قوله: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾، قال: بالسلاح١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٣٨٨.
٨
عن زيد بن أسلم -من طريق عبد الله بن عيّاش- في قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ قال: ذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام، أو النّفر والنّفر، أو القبيل والقبيلة، فأمر الله أئمة المسلمين أن يَقضُوا بينهم بالحقِّ الذي أنزله في كتابه؛ إما القَصاص والقَوَد، وإما العقْل والعِير، وإما العفو، ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على الظالم، حتى يفيء إلى حكم الله، ويرضى به١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ١‏/‏٦٠ (١٣٤)، وابن جرير ٢١‏/‏٣٦٢.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يعني: الأَوْس والخَزْرج ﴿اقتتلوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ بكتاب الله عز وجل، ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ ولم ترجع إلى الصُّلح ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ بالسّيف، يعني: التي لم ترجع ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ يعني: حتى ترجع إلى الصُّلح الذي أمر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٤.
١٠
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذا أمْرٌ أمَر اللهُ به الولاةَ كهيئة ما تكون العصبيّة بين الناس، وأمرهم أن يُصلحوا بينهما، فإن أبَوْا قاتَل الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، فإذا رجعوا أصلَحوا بينهما، وأخبرَوهم أن المؤمنين إخوة، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ قال: ولا يُقاتِل الفئةَ الباغية إلا الولاةُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٣٥٨.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ يعني: فإن رجعَتْ إلى الصُّلح ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأَقْسِطُوا﴾ يعني: واعْدِلوا، ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يعني: الذين يعدلون بين الناس١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٤.
التفسير بالمأثور لسورة الحجرات كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٩ من سورة الحجرات

٢٣ وقفةً في هذه الآية

  • (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. فأصلحوا بين أخويكم) اقتتلوا وسمَّاهم إخوة ! والبعض لأتفه الأسباب يقطع حبل الأُخوَّة .

    — ماجد الغامدي

  • "وأقسطوا (إن الله يحب) المقسطين" حين تعدل في قولك ربما تغضب الطرفين ولا يحبونك. يعوضك عن محبتهم أن يحبك الله.

    — عبدالله بلقاسم

  • أكثر #الأخلاق ذكراً في #القرآن : العدل وترك #الظلم ! فقد ورد "٣٥٠ " مرة. ولن نكون أمة قرآنية مالم يكن #العدل مطلبنا الأول .

    — روائع القرآن

  • " فقاتلوا التي تبغي " هذه الآية خصت عموم قوله ﷺ :" إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار

    — ابو حمزة الكناني

  • إذا تنازعت طائفتان من المؤمنين ، فلا يلزم أن تكون رقما في أحد الطائفتين ، بل كن الطرف الثالث المصلح : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما "

    — ابو حمزة الكناني

  • ﴿ وإن طائفتان من ( المؤمنين اقتتلوا ) ﴾ بهذه الآية يُستدل على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية ، وأن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ، وإن عظمت ذنوبه لا كما يقوله الخوارج ، في هذه الآية أثبت الله لهم الإيمان مع اقتتالهم .

    — ابو حمزة الكناني

  • رفعت السيوف وسالت الدماء " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " والرحيم يعاتب " إنما المؤمنون إخوة " ويبين " فأصلحوا بين أخويكم " العفو صنيع الكرام

    — ابو حمزة الكناني

  • قال الإمام القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " المسألة العاشرة : لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأٌ مقطوعٌ به ، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه ، وأرادوا الله عز وجل ، وهم كلهم لنا أئمة ، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر ؛ لحرمة الصحبة ، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم وأن الله غفر لهم وأخبرنا بالرضا عنهم .

    — القرطبي

  • الله عز وجل عندما قال لنا " فأصلحوا " قيلت بحق " طائفتان " ووصفهم " المؤمنين " ومشكلتهم " اقتتلوا " فما بال أقوام لا يريدون الصلح في أمور دون الاقتتال بكثير.

    — ابو حمزة الكناني

  • بعض الأحبة يهجرك ويعاديك ﻷسباب يسيرة ، بينما الصلح طلب من المتقاتلين : "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" وتأمل اختلفوا حتى اقتتلوا ، ومع ذلك قال الله : " إنما المؤمنون ( إخوة ) فأصلحوا بين أخويكم "

    — ابو حمزة الكناني

  • " فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا " لم يأمر بالإصلاح بين المؤمنين فحسب بل أمر بالعدل والقسط في الإصلاح ! فرب إصلاحٍ فيه جور وظلم على أحدهما !

    — ابو حمزة الكناني

  • ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ .. فإذا أحبهم الله أحبهم الناس , النفوس مولعة بحب الذين يتحرون العدالة في آرائهم ولا يستبقون الأحكام

    — عبدالله بلقاسم

و١١ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٩ من سورة الحجرات

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(9) And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال