اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ في «هل » هذه وجهان :
أحدهما : أنها على بابها من الاستفهام المحض، أي : هو ممن يسأل عنه لغرابته أأتى عليه حين من الدهر لم يكن كذا فإنه يكون الجواب : أتى عليه ذلك وهو بالحال المذكورة. كذا قاله أبو حيان. (١)
وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام : والأحسن أن تكون على بابها للاستفهام الذي معناه التقرير، وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث فلا بد أن يقول : نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له : من أحدثه بعد أن لم يكن وكونه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته، وهو معنى قوله :﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي : فهلا تذكرون، فتعلمون أن من أنشأ شيئاً بعد أن لم يكن قادراً على إعادته بعد موته وعدمه انتهى.
فقد جعلها لاستفهام التقرير لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون ؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري - تعالى - على هذا النحو وما أشبهه.
والثاني : قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وحكي أيضاً عن سيبويه : أنها بمعنى «قد » قال الفرَّاء :«هل » تكون جحداً وتكون خبراً، فهذا من الخبر ؛ لأنك تقول : هل أعطيتك ؟ تقرره : بأنك أعطيته، والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا ؟.
وقال الزمخشري :«هل » بمعنى «قد » في الاستفهام خاصة، والأصل :«أهل » ؛ بدليل قوله :[ البسيط ]
فالمعنى : أقد أتى، على التقرير والتقريب جميعاً، أي أتى على الإنسان قبل زمان قريب «حين من الدهر لم يكن » فيه ﴿شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ أي : شيئاً منسيّاً غير مذكور انتهى.
فقوله «على التقرير » يعني المفهوم من الاستفهام، وهو الذي فهمه مكي من نفس «هل » وقوله :«والتقريب » يعني المفهوم من " قد " التي وقع موقعها " هل "، ومعنى قوله :" الاستفهام خاصة " أن " أهل " لا تكون بمعنى «قد » إلا ومعها استفهام لفظاً كالبيت المتقدم، أو تقديراً كالآية الكريمة.
فلو قلت : هل جاء زيد، يعني : قد قام، من غير استفهام لم يجز. وغيره قد جعلها بمعنى «قد » من غير هذا القَيْدِ.
وبعضهم لا يجيز ذلك ألبتة ويتأول البيت المتقدم على أنه مما جمع فيه بين حرفي معنى للتأكيد، وحسن ذلك اختلاف لفظهما ؛ كقوله :[ الطويل ]
٥٠٢٠-*** فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي عَنْ بِمَا بِهِ(٣)***
فالباء بمعنى «عن » وهي مؤكدة لها، وإذا كانوا قد أكدوا مع اتفاق اللفظ ؛ كقوله :[ الوافر ]
فلأن يؤكد مع اختلافه أحرى، ولم يذكر الزمخشري غير كونها بمعنى «قد »، وبقي على الزمخشري قيد آخر، وهو أن يقول : في الجمل الفعلية، لأنه متى دخلت «هل » على جملة اسمية استحال كونها بمعنى «قد » لأن «قد » مختصة بالأفعال.
قال شهاب الدين(٥) : وعندي أن هذا لا يرد لأنه تقرر أن «قد » لا تباشر الأسماء.
قال قتادة والثوري وعكرمة والشعبي : إن المراد بالإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - وهو مروي عن ابن عباس(٦).
وقيل : المراد بالإنسان : بنو آدم لقوله تعالى :﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾.
فالإنسان في الموضعين واحد وعلى هذا فيكون نظم الآية أحسن.
وقوله :﴿حِينٌ مِّنَ الدهر﴾
قال ابن عباس في رواية أبي صالح : مرت به أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح وهو ملقي بين " مكة " والطائف(٧).
قال ابن عباس في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه في(٨) مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح(٩).
وحكى الماوردي عن ابن عباس - رضي الله عنه - : أن الحين المذكور هاهنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره(١٠).
وقال الحسن : خلق الله تبارك وتعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دوابّ البر والبحر في الأيام الست التي خلق الله - تعالى - فيها السماوات والأرض، وآخر ما خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - فهو كقوله تعالى :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾(١١).
فإن قيل : إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنساناً " حينٌ من الدَّهْرِ " مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً.
فالجواب : أن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان، ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح، ويصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، ومن قال : إن الإنسان هو النَّفس الناطقة، وأنها موجودة قبل وجود الأبدان فالإشكال عنهم زائل، واعلم أنَّ الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، وإذا كان كذلك فلا بد من محدث قادر.
قوله :«لم يكن » في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها في موضع نصب على الحال من الإنسان، أي هل أتى عليه حين في هذه الحال.
والثاني : أنها في موضع رفع نعتاً ل «حين » بعد نعت، وعلى هذا فالعائد محذوف، تقديره : حين لم يكن فيه شيئاً مذكوراً. والأول أظهر لفظاً ومعنى.
روى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ : لا في السماء ولا في الأرض(١٢).
وقيل : كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. قاله الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلام :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق حيواناً بعده(١٣)، ومن قال : إنَّ المراد من الإنسان الجنس من ذرية آدم - عليه الصلاة والسلام - فالمراد بالحين تسعة أشهر مدة الحمل في بطن أمه ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ إذ كان مضغة وعلقة ؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما قرأ هذه الآية : ليتها تمَّت فلا نبتلى، أي ليت المدة التي أتت على آدم لم يكن شيئاً مذكوراً تمت على ذلك فلا يلد ولا يبتلى أولاده، وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلاً يقرأ :﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ فقال : ليتها تمّت(١٤).
أحدهما : أنها على بابها من الاستفهام المحض، أي : هو ممن يسأل عنه لغرابته أأتى عليه حين من الدهر لم يكن كذا فإنه يكون الجواب : أتى عليه ذلك وهو بالحال المذكورة. كذا قاله أبو حيان. (١)
وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام : والأحسن أن تكون على بابها للاستفهام الذي معناه التقرير، وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث فلا بد أن يقول : نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له : من أحدثه بعد أن لم يكن وكونه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته، وهو معنى قوله :﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي : فهلا تذكرون، فتعلمون أن من أنشأ شيئاً بعد أن لم يكن قادراً على إعادته بعد موته وعدمه انتهى.
فقد جعلها لاستفهام التقرير لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون ؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري - تعالى - على هذا النحو وما أشبهه.
والثاني : قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وحكي أيضاً عن سيبويه : أنها بمعنى «قد » قال الفرَّاء :«هل » تكون جحداً وتكون خبراً، فهذا من الخبر ؛ لأنك تقول : هل أعطيتك ؟ تقرره : بأنك أعطيته، والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا ؟.
وقال الزمخشري :«هل » بمعنى «قد » في الاستفهام خاصة، والأصل :«أهل » ؛ بدليل قوله :[ البسيط ]
| ٥٠١٩- سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ لِشدَّتِنَا | أهَلْ رَأوْنَا بوَادِي القِفِّ ذِي الأكَمِ ؟(٢) |
فقوله «على التقرير » يعني المفهوم من الاستفهام، وهو الذي فهمه مكي من نفس «هل » وقوله :«والتقريب » يعني المفهوم من " قد " التي وقع موقعها " هل "، ومعنى قوله :" الاستفهام خاصة " أن " أهل " لا تكون بمعنى «قد » إلا ومعها استفهام لفظاً كالبيت المتقدم، أو تقديراً كالآية الكريمة.
فلو قلت : هل جاء زيد، يعني : قد قام، من غير استفهام لم يجز. وغيره قد جعلها بمعنى «قد » من غير هذا القَيْدِ.
وبعضهم لا يجيز ذلك ألبتة ويتأول البيت المتقدم على أنه مما جمع فيه بين حرفي معنى للتأكيد، وحسن ذلك اختلاف لفظهما ؛ كقوله :[ الطويل ]
٥٠٢٠-*** فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي عَنْ بِمَا بِهِ(٣)***
فالباء بمعنى «عن » وهي مؤكدة لها، وإذا كانوا قد أكدوا مع اتفاق اللفظ ؛ كقوله :[ الوافر ]
| ٥٠٢١- فَلاَ - واللَّهِ - لا يُلْفَى لِمَا بِي | ولا لِلمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ(٤) |
قال شهاب الدين(٥) : وعندي أن هذا لا يرد لأنه تقرر أن «قد » لا تباشر الأسماء.
فصل في المراد بالإنسان المذكور في الآية
قال قتادة والثوري وعكرمة والشعبي : إن المراد بالإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - وهو مروي عن ابن عباس(٦).
وقيل : المراد بالإنسان : بنو آدم لقوله تعالى :﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾.
فالإنسان في الموضعين واحد وعلى هذا فيكون نظم الآية أحسن.
وقوله :﴿حِينٌ مِّنَ الدهر﴾
قال ابن عباس في رواية أبي صالح : مرت به أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح وهو ملقي بين " مكة " والطائف(٧).
قال ابن عباس في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه في(٨) مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح(٩).
وحكى الماوردي عن ابن عباس - رضي الله عنه - : أن الحين المذكور هاهنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره(١٠).
وقال الحسن : خلق الله تبارك وتعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دوابّ البر والبحر في الأيام الست التي خلق الله - تعالى - فيها السماوات والأرض، وآخر ما خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - فهو كقوله تعالى :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾(١١).
فإن قيل : إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنساناً " حينٌ من الدَّهْرِ " مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً.
فالجواب : أن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان، ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح، ويصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، ومن قال : إن الإنسان هو النَّفس الناطقة، وأنها موجودة قبل وجود الأبدان فالإشكال عنهم زائل، واعلم أنَّ الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، وإذا كان كذلك فلا بد من محدث قادر.
قوله :«لم يكن » في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها في موضع نصب على الحال من الإنسان، أي هل أتى عليه حين في هذه الحال.
والثاني : أنها في موضع رفع نعتاً ل «حين » بعد نعت، وعلى هذا فالعائد محذوف، تقديره : حين لم يكن فيه شيئاً مذكوراً. والأول أظهر لفظاً ومعنى.
فصل في تفسير الآية
روى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ : لا في السماء ولا في الأرض(١٢).
وقيل : كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. قاله الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلام :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق حيواناً بعده(١٣)، ومن قال : إنَّ المراد من الإنسان الجنس من ذرية آدم - عليه الصلاة والسلام - فالمراد بالحين تسعة أشهر مدة الحمل في بطن أمه ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ إذ كان مضغة وعلقة ؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما قرأ هذه الآية : ليتها تمَّت فلا نبتلى، أي ليت المدة التي أتت على آدم لم يكن شيئاً مذكوراً تمت على ذلك فلا يلد ولا يبتلى أولاده، وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلاً يقرأ :﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ فقال : ليتها تمّت(١٤).
١ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٩٣..
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ تقدم..
٥ ينظر الدر المصون ٦/٤٣٧..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٥٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨١) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وينظر تفسير الماوردي (٦/١٦١)..
٧ تقدم..
٨ في أ: بعد..
٩ تقدم..
١٠ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٦٢) عن ابن عباس..
١١ ذكره الرازي في "تفسيره" (٣٠/٢٠٨-٢٠٩)..
١٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/٧٨)..
١٣ ينظر المصدر السابق..
١٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨١) وعزاه إلى المبارك في "الزهد" وأبي عبيد في "فضائله" وعبد بن حميد وابن المنذر..
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ تقدم..
٥ ينظر الدر المصون ٦/٤٣٧..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٥٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨١) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وينظر تفسير الماوردي (٦/١٦١)..
٧ تقدم..
٨ في أ: بعد..
٩ تقدم..
١٠ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٦٢) عن ابن عباس..
١١ ذكره الرازي في "تفسيره" (٣٠/٢٠٨-٢٠٩)..
١٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/٧٨)..
١٣ ينظر المصدر السابق..
١٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨١) وعزاه إلى المبارك في "الزهد" وأبي عبيد في "فضائله" وعبد بن حميد وابن المنذر..