البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿هل أتى على الإِنسان﴾، والاستفهام للتقرير والتعريف، أو بمعنى " قد "، أي : قد مضى على الإنسان قبل زمانٍ قريبٍ ﴿حِينٌ من الدهر﴾ أي : طائفة محدودة كائنة من الزمن الممتد ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ بل كان شيئاً منسياً غير مذكور بالإنسانية أصلاً، كالعنصر والنطفة وغير ذلك. والجملة المنفية : حال من الإنسان، أي : مضى عليه زمان غير مذكور، أو صفة ل " حين " على حذف العائد، أي : لم يكن فيه شيئاً، والمراد بالإنسان : الجنس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : قد أتى على الإنسان حين من الدهر، وهو قبل وقوع التجلِّي به، لم يكن شيئاً مذكوراً، بل كان شيئاً معلوماً موجوداً في المعنى دون الحس، غير مذكور في الحس، فلمّا وقع به التجلِّي صار شيئاً مذكوراً، يذكر بالخطاب والتكليف، ويمكن أن يكون الاستفهام إنكارياً، أي : هل أتى عليه زمان لم نذكره فيه، بل لم يأتِ عليه وقت إلاَّ وكان مذكوراً لي. ويُقال : هل غفلتُ ساعة عن حفظك ؟ هل ألقيتُ ساعة حبلك على غاربك ؟ هل أخليتك ساعة من رعاية جديدة، وحماية مزيدة. هـ. من الحاشية.
ثم بيَّن كيفية التجلِّي به فقال :﴿إنَّا خلقنا الإنسان﴾ أي : بشريته ﴿من نُطفة أمشاج﴾ أي : من نطفة من أخلاط الأرض، فلذلك كانت تنزع إلى أصلها، وتخلد إلى أرض الحظوظ والهوى، نبتليه بذلك، ليظهر الصادق في طلب الحق بمجاهدة نفسه في إخراجها عن طبعها الأصلي، والمُعرض عن الطلب باسترساله مع طبعها البشري، ويقال : خلقته من أمشاج النطفتين فينزع طبعُ الولد إلى الأغلب منهما، فإن غَلَبَ ماء الرجل نزع إلى طبع أبيه، خيراً كان أو شرًّا، وإن غلب ماء المرأة، نزع إلى طبع أمه كذلك، ابتلاء من الله وقهرية، فلا بد أن يغلب الطبع، ولو جاهد جهده، ولذلك قال عليه السلام :" إذا سمعتم أنَّ الجبال انتقلت فصَدِّقوا، وإذا سمعتم أنَّ الطباع انتقلت فلا تُصَدِّقوا " (١). وفائدة الصُحبة والمجاهدة : خمود الطبع وقهر صولته، لا نزعه بكليته، فيقع الرجوع إلى الله من الطبع الدنيء، ولا يقدح في خصوصيته إن رجع إلى الله في الحين، ولذلك تلونت أحوال الأولياء بعد مجاهدتهم ورياضتهم. والله تعالى أعلم. فجعلناه سميعاً بصيراً، ونفخنا فيه روحاً سماوية وقدسية، تحن دائماً إلى أصلها، فمنها مَن غلبت عليه النطفةُ الطينية، فأخلدت بها إلى الأرض، فبقيت مسجونة في هيكلها، محجوبة عن ربها، ومنها : مَن غلبت روحانيتها على الطينية، فعرجت بها إلى الحضرة القدسية، حتى رجعت إلى أصلها وإلى هذا أشار بقوله :﴿إنا هديناه السبيل﴾ أي : بيَّنَّا له الطريق الموصل إلى الحضرة، فصار إمّا شاكراً بسلوكها أو كافراً بالإعراض عنها، وعدم الدخول تحت تربية العارف بها.
ثم بيَّن كيفية التجلِّي به فقال :﴿إنَّا خلقنا الإنسان﴾ أي : بشريته ﴿من نُطفة أمشاج﴾ أي : من نطفة من أخلاط الأرض، فلذلك كانت تنزع إلى أصلها، وتخلد إلى أرض الحظوظ والهوى، نبتليه بذلك، ليظهر الصادق في طلب الحق بمجاهدة نفسه في إخراجها عن طبعها الأصلي، والمُعرض عن الطلب باسترساله مع طبعها البشري، ويقال : خلقته من أمشاج النطفتين فينزع طبعُ الولد إلى الأغلب منهما، فإن غَلَبَ ماء الرجل نزع إلى طبع أبيه، خيراً كان أو شرًّا، وإن غلب ماء المرأة، نزع إلى طبع أمه كذلك، ابتلاء من الله وقهرية، فلا بد أن يغلب الطبع، ولو جاهد جهده، ولذلك قال عليه السلام :" إذا سمعتم أنَّ الجبال انتقلت فصَدِّقوا، وإذا سمعتم أنَّ الطباع انتقلت فلا تُصَدِّقوا " (١). وفائدة الصُحبة والمجاهدة : خمود الطبع وقهر صولته، لا نزعه بكليته، فيقع الرجوع إلى الله من الطبع الدنيء، ولا يقدح في خصوصيته إن رجع إلى الله في الحين، ولذلك تلونت أحوال الأولياء بعد مجاهدتهم ورياضتهم. والله تعالى أعلم. فجعلناه سميعاً بصيراً، ونفخنا فيه روحاً سماوية وقدسية، تحن دائماً إلى أصلها، فمنها مَن غلبت عليه النطفةُ الطينية، فأخلدت بها إلى الأرض، فبقيت مسجونة في هيكلها، محجوبة عن ربها، ومنها : مَن غلبت روحانيتها على الطينية، فعرجت بها إلى الحضرة القدسية، حتى رجعت إلى أصلها وإلى هذا أشار بقوله :﴿إنا هديناه السبيل﴾ أي : بيَّنَّا له الطريق الموصل إلى الحضرة، فصار إمّا شاكراً بسلوكها أو كافراً بالإعراض عنها، وعدم الدخول تحت تربية العارف بها.